من الفيوم إلى الجيزة: اختبار تعقيد المحافظات المصرية
مع صدور قرار تعيين أحمد الأنصاري محافظًا للجيزة، تتجه الأنظار نحو المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر المحافظات المصرية كثافة سكانية وتشابكًا في الملفات اليومية. فالانتقال من محافظة الفيوم إلى الجيزة لا يمثل مجرد تغيير إداري بسيط، بل هو تحول جذري إلى بيئة تنفيذية ذات إيقاع أسرع وضغوط أكبر وتحديات متعددة المستويات، مما يضع المحافظ الجديد أمام اختبار حقيقي لقدراته الإدارية.
الانتقال من الريف إلى الحضر: فجوة في التحديات
ترتبط طبيعة العمل التنفيذي في الفيوم بملفات التنمية الريفية، مثل تطوير البنية الأساسية وتحسين الخدمات في المراكز والقرى ذات الطابع الزراعي. رغم ما تتضمنه هذه المهام من تحديات، إلا أنها تختلف جذريًا عن تلك الموجودة في الجيزة، التي تمثل كتلة عمرانية ضخمة تتداخل فيها الأحياء الشعبية مع المدن الجديدة والمناطق السياحية ذات البعد الدولي.
فالجيزة تضم نطاقات حضرية كثيفة مثل الهرم وفيصل وإمبابة والدقي، إلى جانب مدن حديثة كالسادس من أكتوبر والشيخ زايد، ومراكز ريفية جنوب المحافظة مثل الصف وأطفيح والعياط. هذا التنوع الكبير يفرض اختلافًا في احتياجات المواطنين وأولويات العمل التنفيذي من منطقة لأخرى، مما يتطلب مهارات إدارية مرنة وقادرة على التكيف.
الكثافة السكانية وضغط الخدمات: تحديات يومية
أحد أبرز الفوارق بين المحافظتين يتمثل في حجم الكثافة السكانية اليومية وضغط الخدمات. في الجيزة، ينعكس أي قصور في منظومة النظافة أو المرور أو المرافق بسرعة على الشارع، بسبب تداخل الأنشطة التجارية والسكنية وارتفاع معدلات الحركة.
ملفات مثل تطوير شبكة الطرق، وضبط الإشغالات، وتنظيم الأسواق، وإدارة المخلفات، وتراخيص البناء تتحول إلى قضايا يومية تتطلب استجابة سريعة وقرارات حاسمة. هذا يجعل عنصر السرعة في الأداء التنفيذي عاملًا حاسمًا في تقييم المرحلة الجديدة للمحافظ الجديد.
ملف المرور: التحدي الأكثر تعقيدًا
يمثل ملف المرور أحد أكثر التحديات تعقيدًا في الجيزة، خاصة في مناطق الهرم وفيصل والدقي. لا ترتبط الأزمة فقط بكثافة المركبات، بل تتداخل مع المواقف العشوائية، والباعة الجائلين، والإشغالات، ما يستدعي تنسيقًا دائمًا بين الأجهزة التنفيذية والأمنية، وخططًا مستمرة لضبط الشارع، وليس حلولًا مؤقتة.
ويضاعف البعد السياحي الدولي المسؤولية، حيث تكتسب الجيزة أهمية إضافية لاحتضانها منطقة أهرامات الجيزة والمتحف المصري الكبير، ما يجعلها تحت أنظار العالم بشكل دائم. وأي خلل في مستوى النظافة أو التنظيم أو الصورة البصرية للمحيط الأثري ينعكس مباشرة على صورة مصر السياحية.
تعدد الملفات وتداخل الأولويات: إدارة متشابكة
يتسم العمل التنفيذي في الجيزة بتشابك الملفات؛ من إدارة العشوائيات ومخالفات البناء، إلى متابعة المدن الجديدة، وتحسين الخدمات في قرى الجنوب، وتنظيم الأسواق، وضبط الشارع الحضري المكتظ. هذا التداخل يفرض نمط إدارة يعتمد على:
- إعادة ترتيب الأولويات بسرعة.
- تفويض فعال للصلاحيات.
- متابعة ميدانية مستمرة.
- تنسيق محكم بين الأجهزة التنفيذية.
تعد الخبرة التنفيذية عنصرًا أساسيًا في نجاح أي مسؤول محلي، لكن نجاحها يرتبط بمدى القدرة على التكيف مع بيئة مختلفة. فالجيزة محافظة ذات ثقل عمراني وسياحي وإعلامي كبير، وردود الفعل الشعبية فيها سريعة، ما يفرض إيقاعًا إداريًا أعلى وسقف توقعات أكبر.
ولهذا السبب، تمثل المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة المحافظ الجديد على فرض الانضباط في الشارع، وتحسين مستوى الخدمات اليومية، وإدارة ملف السياحة بحساسية عالية، وتحقيق توازن بين المدن الجديدة والمناطق الشعبية. إنها رحلة تحدي حقيقية لأحمد الأنصاري، من بيئة الفيوم الريفية إلى تعقيدات الجيزة الحضرية.