همس الجدران: عندما يسرق النسيان هويتنا في زنازين السجن
همس الجدران: النسيان يسرق هوية السجناء

لم نكن نتشاجر هذه المرة، بل كنا نحاول فقط أن نتذكر. في الليلة الأولى التي بدأ فيها الأمر، ظننا أن التعب هو السبب؛ فالسجن يرهق الذاكرة كما يرهق الجسد، هذا ما كنا نقوله لأنفسنا ونحن نحاول استدعاء تفاصيل صغيرة: أسماء أمهاتنا، شكل الشوارع التي جئنا منها، لون أبواب بيوتنا.

لكن أحدًا لم يستطع أن يتذكر اسم أمه كاملًا. ضحكنا يومها ضحكة قصيرة مرتعشة، ثم سكتنا جميعًا في اللحظة نفسها، كأن شيئًا ما داخلنا أدرك الخطر قبل أن نعترف به.

في الليالي التالية، بدأ النسيان ينتشر لا كفقدان مفاجئ، بل كخيط يتآكل ببطء. كل ليلة يختفي شيء صغير: تاريخ، وجه، كلمة معتادة، وكان أسوأ ما في الأمر أننا كنا نعرف أننا ننسى. الجدران نفسها بدأت تتدخل؛ لم تكن تتحرك ولم تُصدر صوتًا واضحًا، لكننا كنا نشعر بها أقرب من اللازم، كأنها تنصت، أو ربما تهمس بشيء لا يُسمع إلا من الداخل. وفي بعض اللحظات، كنا نسمع أسماءنا، ولكن بنطق غريب ناقص، كأن أحدًا يتعلمها لأول مرة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

المقاومة بالكلام

في الليلة الخامسة، قررنا المقاومة. بدأنا نحكي؛ كل واحد يروي ما يتذكره بصوت عالٍ، بينما الآخرون يصححون ويكملون ويضيفون. كنا نعيد بناء أنفسنا جماعيًا، قطعة قطعة، كأننا نحاول تثبيت وجودنا بالكلام. لكن حتى التصحيح بدأ يختل، ولم نعد واثقين من أي شيء، وأصبح الكلام نفسه يبدو غريبًا، كأن الكلمات تُستهلك بمجرد نطقها.

الصمت والاختفاء

في الليلة السابعة، توقفنا عن الكلام، لأننا اكتشفنا شيئًا مرعبًا: كلما تحدثنا أكثر اختفى المزيد، كأن الجدران تتغذى على أصواتنا. جلسنا في صمت ثقيل نحاول الإمساك بما تبقى داخل رؤوسنا؛ أغمض بعضنا عينيه كأن الذكريات يمكن أن تُحفظ في الظلام، وآخرون راحوا يضغطون على رؤوسهم بأيديهم كأنهم يخشون أن تتسرب منها الأشياء. ثم بدأ أولنا يفقد اسمه. لم يصرخ ولم يطلب المساعدة، بل نظر إلينا طويلًا، وكأنه ينتظر أن نخبره من يكون، لكننا لم نكن نعرف. واحدًا تلو الآخر، بدأنا نختفي، ليس من المكان بل من أنفسنا؛ وجوه بلا تاريخ، أجساد بلا حكايات، وعيون تنظر ولا تعرف ماذا ترى.

وفي لحظة ما، لم يعد هناك فرق بيننا؛ لم نعد سجناء، ولا حتى بشرًا نعرف أنفسنا، بل مجرد وجود جالس في غرفة تراقبه جدران تعرف عنه أكثر مما يعرف هو عن نفسه.

وفي الصباح، عندما فتحوا الأبواب، لم ينده أحد بأسمائنا، لأننا لم نكن نحمل أسماء بعد الآن. الذكريات المقاومة الكلمات الاسماء فيتو بوابة فيتو الكاتب بولا وجيه

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي