الشيخ الشعراوي يفسر مدة مكوث النبي موسى في بيت فرعون من خلال سورة الشعراء
في خواطره الدينية العميقة، تناول الشيخ محمد متولي الشعراوي تفسيرًا لسورة الشعراء، مركزًا على الآيات التي تتناول عتاب فرعون للنبي موسى عليه السلام، حيث سلط الضوء على المدة التي قضاها نبي الله موسى في بيت فرعون ودلالاتها الروحية والأخلاقية.
تفسير الآيات 18-19 من سورة الشعراء
قال تعالى في سورة الشعراء: «قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)».
أوضح الشيخ الشعراوي أن فرعون في هذه الآيات يحاول تذكير موسى بتربيته في بيته لسنوات عديدة، حيث نشأ وكبر تحت رعايته، وكأنه يُوبخه على موقفه العدائي الحالي بعد كل ما قدمه له. وتشير الآية {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} إلى أن موسى قضى في بيت فرعون حتى سن الثامنة عشرة أو الثلاثين، مما يعني أن فرعون رباه وعاش معه لفترة طويلة.
ولكن الشيخ الشعراوي أشار إلى أن هذه الحجة التي يظنها فرعون لصالحه هي في الواقع ضدّه، حيث تكشف عن غبائه وجهلته. فلو كان فرعون إلهًا كما يدعي، لعرف أن هلاكه سيكون على يد هذا الطفل الذي ضمه إليه ورعاه، مما يظهر أن العناية الإلهية تتجاوز التخطيط البشري.
دلالات قتل موسى للرجل وتفسير الكفر
كما فسر الشيخ الشعراوي المراد بـ «الفِعْلة» في الآية، وهي قتل موسى عليه السلام للرجل الذي وكزه فمات، مع الإشارة إلى أن {وَأَنتَ مِنَ الكافرين} يمكن أن تعني كفره بألوهية فرعون أو جحوده لنعم التربية التي تلقاها. وهذا يبرز كيف أن العقلاء يرون أن تربية الأولاد وتوفيقهم هي من عناية الله تعالى، وليس مجرد جهد بشري.
وأضاف الشيخ الشعراوي أن هذا المعنى يتجلى في أن الأبناء قد يربون في بيئة واحدة، بل ربما كتوأمين، ومع ذلك يختلف مصيرهم، حيث يكون أحدهما صالحًا والآخر طالحًا، مما يدل على أن المسألة تعتمد على العناية الإلهية العليا. وقد استشهد ببيت شعري يعبر عن هذا: «إِذَا لَمْ تُصاَدِفَ في بَنيكَ عِنَايةً ** فقَدْ كذَبَ الراجي وخَابَ المؤَمَّلُ».
مقارنة بين موسى النبي وموسى السامري
كما تطرق الشيخ الشعراوي إلى مفارقة مثيرة في قوله: «فمُوسى الذِي رَبَّاه جِبْريلُ كَافِرٌ ** ومُوسَى الذي رَبَّاهُ فِرْعَونُ مُرْسَلُ»، حيث أشار إلى أن المراد هنا هو موسى السامري، صاحب العجل، الذي وضعته أمه في الصحراء وماتت، فأرسل الله إليه جبريل عليه السلام ليرعاه ويُربيه. بينما موسى النبي، الذي رباه فرعون، أصبح مرسلاً من الله.
وهذا يوضح أن مثل هذه المفارقات لا تحدث إلا بعناية الله سبحانه وتعالى، حيث أن التربية البشرية وحدها لا تكفي لتحديد مصير الإنسان، بل الإرادة الإلهية هي التي تحكم الأمور وتوجه المسارات.
من خلال هذا التفسير، يقدم الشيخ الشعراوي رؤية عميقة لسورة الشعراء، مؤكدًا على أهمية العناية الإلهية في حياة البشر، وكيف أن الأحداث قد تتخذ منعطفات غير متوقعة بناءً على حكمة الله تعالى.



