بين تحوله العقائدي وتغير نظرته السياسية تجاه دونالد ترامب، يبدو كتاب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، والذي أصدره بعنوان "التواصل.. إيجاد طريقي للعودة إلى الإيمان"، بمثابة تقديم نفسه كبديل محتمل للرئيس الأمريكي سواء اختفى دونالد ترامب عن المشهد بصورة مفاجئة، أو كمرشح جمهوري كاثوليكي قادر على الاحتفاظ باعتلاء الجمهوريين لقمة البيت الأبيض لسنوات قادمة.
رحلة روحية من الإلحاد إلى الكاثوليكية
يأتي نشر الكتاب الجديد بعد عشر سنوات من إصدار فانس مذكراته الشهيرة في كتاب بعنوان "رثاء هيلبيلي"، الذي باع أكثر من 5 ملايين نسخة حول العالم. ونُشر لأول مرة في يونيو 2016، وتصدر قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعا، وبقي فيها لأكثر من 200 أسبوع.
في كتابه الجديد، يسرد فانس رحلته الروحية منذ طفولته، متنقلا بين كنائس مختلفة، وصولا إلى مرحلة الشباب حيث نبذ الدين تماما، ثم اعتناقه الكاثوليكية في عام 2019؛ وهو سرد شخصي لأسباب ابتعاده عن المذهب البروتستانتي الذي نشأ عليه، وكيف أثر ذلك على مهام عمله ورؤيته للمستقبل.
وفانس هو ثاني كاثوليكي يشغل منصب نائب رئيس الولايات المتحدة، بعد الرئيس السابق جو بايدن، الذي شغل المنصب من 2009 إلى 2017. وقد خدم في سلاح مشاة البحرية الأمريكية خلال حرب العراق، وعمل لاحقا في مجال رأس المال الاستثماري، مستثمرا في شركات ومقدما لها الاستشارات، مركزا على النمو الاقتصادي في الغرب الأوسط الأمريكي.
لماذا فقد الإيمان ثم عاد؟
يكتب فانس: "إن قصة استعادة إيماني، بالطبع، لم تحدث إلا لأنني فقدته في البداية. والسؤال المهم الذي يشغلني في هذا الكتاب، وفي ذهني أيضا، هو: لماذا انحرفت عن الطريق الصحيح؟ لماذا لم يترسخ الإيمان المسيحي الذي نشأت عليه في شبابي؟ أنا سعيد لأنني وجدت طريقي للعودة إلى الكنيسة."
ويقول: "لقد تعلمت الكثير خلال هذه الرحلة. ولكن إن كنت تؤمن مثلي، فأنت تعلم أنني كنت محظوظا وأنني منحت نعمة الله. باختصار، أنا مسيحي، ومن خلال مشاركة رحلتي، قد أكون عونا للآخرين -سواء كانوا كاثوليك أو بروتستانت أو غيرهم- ممن يسعون إلى المصالحة مع الله."
قضية تيري شيافو وخلافات الهجرة
بحسب تقارير إعلامية، يستشهد فانس بالفلاسفة والمفكرين السياسيين والكتاب المعاصرين والأعمال الأدبية أكثر من استشهاده بالنصوص الدينية، وكأنه يبني رؤية شخصية للعالم لا تتوافق بالضرورة مع دينه المختار.
في كتابه، يكشف فانس أنه شعر بالانبهار والإحباط في آن واحد تجاه قضية تيري شيافو، التي أثارت جدلا كبيرا في عام 2005. وشيافو هي شابة أمريكية دخلت في غيبوبة مستمرة عام 1990 إثر سكتة قلبية تسببت بتلف دماغي؛ وأصبحت قضيتها محور أطول وأبرز صراع قانوني وسياسي في التاريخ الأمريكي حول "الحق في الموت".
وبحسب الكتاب، فإن فانس كان متعاطفا مع الرؤية الأخلاقية للأشخاص الذين أرادوا إنقاذ حياتها، لكنه في الوقت نفسه استغرب من إعطاء المجتمعات الدينية الأولوية لما بدا له حالة استثنائية.
خلافات حول ملف الهجرة مع الفاتيكان
يستذكر فانس اجتماعا عقده في أبريل 2025 مع بابا الفاتيكان السابق البابا فرنسيس ودبلوماسيين من الفاتيكان حول الهجرة، وهو لقاء وصفه بأنه "مقلق"، مضيفا: "أقر المسؤولون بأن للولايات المتحدة الحق في ضبط حدودها، لكنهم شجعونا أيضا على معاملة المهاجرين معاملة إنسانية. لقد تجنبوا الخوض في تفاصيل سياسات الهجرة، وبدا أنهم غير راغبين في تجاوز العبارات المبتذلة."
وفي نوفمبر 2025، أصدر مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة بيانا نادرا ينتقد فيه "عمليات الترحيل الجماعي العشوائية"، واصفا هذه السياسات بأنها انتهاك "للكرامة الإنسانية التي وهبها الله للإنسان". وفي أبريل 2026، عاود فانس الاعتراض على مؤتمر الأساقفة الكاثوليك بسبب اعتراضاته على سياسة الهجرة الأمريكية والتدخل العسكري.
لقاء المنشق الروسي وانتقادات أوكرانيا
يكشف فانس لقاءه بمنشق روسي لم يذكر اسمه، مشيرا إلى أن اللقاء جرى خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2024. يقول فانس: "في هذا اللقاء تعلمت عن سيكولوجية الدولة الروسية أكثر مما تعلمته خلال أسابيع من قراءة التغطية الأمريكية، وتسائلت حينها: لماذا يحظى بوتين بهذه الشعبية؟"
ويضيف: "في أحد اجتماعات المؤتمر، لفت انتباهي شعبية بوتين، وعندما أعلنت ذلك، تعرضت للتوبيخ. لقد أصبحت ميونيخ مكانا يتداول فيه الناس الأكاذيب المريحة بدلا من تقبل الحقائق المزعجة."
ويقول فانس: حضرت مؤتمر ميونخ عام 2024، وكنت وقتها عضوا في مجلس الشيوخ؛ وخلال المؤتمر، عارضت حزم المساعدات الجديدة لأوكرانيا، ودخلت في نقاش مع أحد قادة البرلمان الأوكراني. كنت أعتقد أن موارد الولايات المتحدة محدودة للغاية، أكثر مما كان زملائي في مجلس الشيوخ على استعداد للاعتراف به.
تراجع عن وصف "سيدات القطط العازبات"
في كتابه، يعلن فانس تراجعه عن وصفه للنساء الديمقراطيات بـ"سيدات القطط العازبات"، معتبرا استخدامه لذلك المصطلح بأنه تعليق "أحمق".
ومصطلح "سيدات القطط العازبات" هو مصطلح ثقافي يشير إلى النساء اللواتي يعشن بمفردهن أو بدون أطفال ويربين قططا؛ واستخدمه فانس في مقابلة تعود لعام 2021، مضيفا: "من يقودون الحزب الديمقراطي والدولة هم أشخاص بدون أطفال مثل كامالا هاريس –نائبة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن-" واعتبر أن عدم الإنجاب يجعلهم أقل استثمارا في الولايات المتحدة.
وأثارت هذه التصريحات موجة غضب عارمة؛ حيث اعتبرت النساء، بما في ذلك الشخصيات العامة، المصطلح هجوما على استقلالية المرأة.



