في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر. تستعرض السلسلة محطات تاريخية بارزة، أبرزها قصة الدكتور محمد الشافعي، أول مدير مصري لمدرسة الطب.
التحولات الإدارية بعد رحيل كلوت بك
امتدادًا للتحولات الإدارية والسياسية التي أعقبت رحيل الدكتور كلوت بك عن مصر عام 1849م، وتولي كل من الدكتور دوفينيو وبيردون بك إدارة المدرسة الطبية لفترات انتقالية، وصلت مدرسة الطب بقصر العيني إلى محطتها التاريخية الأبرز في توطين الإدارة الطبية بتعيين الدكتور محمد الشافعي بك رئيسًا لها، ليكون أول طبيب مصري يتولى إدارة هذا الصرح التعليمي والعلاجي العظيم منذ تأسيسه.
النشأة العلمية والبعثة إلى فرنسا
وتعود الجذور العلمية للشافعي إلى أروقة الأزهر الشريف، حيث تلقى علومه الأساسية الأولى قبل أن ينضم إلى مدرسة الطب في أبو زعبل. ونظرًا لتميزه الفكري والتحصيلي الواضح، وقع اختيار الدكتور كلوت بك عليه ليكون ضمن نوابغ البعثة الطبية الأولى التي أُرسلت إلى فرنسا في نوفمبر من عام 1832م لدراسة العلوم الطبية المتقدمة، حيث خُصص له آنذاك استحقاق مالي شهري قدره مائتا قرش لتأمين تفرغه الكامل لتحصيل العلم والتدريب السريري بالمستشفيات الفرنسية.
العودة إلى مصر والتدرج الأكاديمي
عقب إتمامه العلوم الطبية بنجاح في فرنسا، عاد الدكتور محمد الشافعي إلى مصر في عام 1838م، وصدر قرار بتعيينه معلمًا للأمراض الباطنة بمدرسة الطب التي كانت تدار في تلك الفترة تحت رئاسة الدكتور برون بك. وبفضل كفاءته العلمية والتنظيمية العالية، تدرج الشافعي سريعًا في السلم الأكاديمي والإداري للمدرسة؛ فشغل منصب وكيل المدرسة، ثم تلا ذلك صدور قرار تعيينه رئيسًا ومديرًا للمدرسة والمستشفى في عام 1847م.
دوره في تطوير المناهج والتعاون الأوروبي
وخلال فترة رئاسته الأولى، وتماشيًا مع توجهات الدولة في ذلك العهد لمد جسور التعاون مع المدارس الطبية الأوروبية المختلفة، استدعت الإدارة الأستاذ الألماني ألكسندر راير للوقوف على الأحوال التعليمية، وهو الذي أوصى بإرسال بعثات طبية مصرية إلى النمسا تحاكي في تنظيمها وأهدافها بعثات محمد علي باشا الأولى، وهو المقترح الذي نُفذ بالفعل لتعزيز الكوادر الوطنية وتطوير المناهج التعليمية بقصر العيني.
فترة التضييق والإغلاق والعطاء العلمي
واستمر الدكتور محمد الشافعي في قيادة المدرسة الطبية بكفاءة حتى واجه الصرح الطبي قرارات التضييق والإغلاق في أواخر عهد الوالي عباس حلمي الأول وأوائل عهد سعيد باشا، وهي الفترة الحرجة التي توقفت فيها الدراسة النظامية بالمدرسة. وخلال تلك السنوات، لم ينقطع الشافعي عن عطائه المهني والعلمي، بل ركّز جهوده على ممارسة الطب البشري الحر، وانكب بشكل مكثف على حركة التأليف والترجمة الطبية لتعويض غياب المنظومة الفرنسية، مستهدفًا نقل المعارف الحديثة وتعريب العلوم الطبية وتوفير المراجع الموثوقة باللغة العربية للأطباء والمترجمين الصاعدين.
إعادة الافتتاح في عهد الخديوي إسماعيل
ومع تغير السياسة العامة واعتلاء الخديوي إسماعيل سدة الحكم، أُعيد افتتاح مدرسة الطب بقصر العيني مجددًا ليستأنف هذا الصرح التاريخي رسالته العلمية، وعاد الدكتور محمد الشافعي ليتولى رئاستها لفترة ثانية، ونال تقديرًا رفيعًا لجهوده وإسهاماته الإدارية والعلمية بحصوله على رتبة البكوية.
الإرث العلمي والمؤلفات البارزة
وإلى جانب دوره التنفيذي والقيادي، ترك الشافعي للمكتبة الطبية العربية إرثًا علميًا غنيًا من المصنفات والمؤلفات المترجمة والموضوعة التي شكلت ركيزة التعليم الطبي؛ ومن أبرزها كتاب أحسن الأغراض في التشخيص ومعالجة الأمراض المطبوع عام 1843م في أربعة مجلدات، وترجمته لكتاب كلوت بك الشهير الدرر الغوالي في معالجة أمراض الأطفال المطبوع عام 1844م، وترجمة كتاب كنوز الصحة ويواقيت المنحة الصادر في العام ذاته، بالإضافة إلى مؤلفه الموسوعي الضخم السراج الوهاج في التشخيص والعلاج الذي طُبع في أربعة مجلدات عام 1864م.
الوفاة والإرث
وواصل الدكتور الشافعي مسيرته الأكاديمية والطبية في خدمة الوطن حتى وافته المنية في عام 1877م، مخلفًا سيرة مهنية رائدة أسست لتمصير إدارة الطب التعليمي في مصر وتوثيق دورها العلمي المستقل.



