ذكرى رحيل الشيخ المراغي: شيخ الأزهر الذي تحدى الملك فاروق وحمى حرمة الدين
الشيخ المراغي: تحدى الملك فاروق وحمى حرمة الدين

ذكرى رحيل الشيخ المراغي: رمز التحدي والإصلاح في تاريخ الأزهر

في مثل هذا اليوم، الرابع عشر من رمضان عام 1364 هـ الموافق 1945، رحل الشيخ محمد مصطفى المراغي، العالم الأزهري البارز الذي ترك إرثاً عظيماً في تاريخ مصر والعالم الإسلامي. تولى المراغي مشيخة الأزهر الشريف مرتين، واشتهر بتحديه للملك فاروق ودفاعه عن حرمة الدين، مما جعله أيقونة للشجاعة والاستقلالية.

النشأة والتعليم: من سوهاج إلى الأزهر

ولد الشيخ محمد مصطفى المراغي عام 1881 في مركز المراغة بمحافظة سوهاج، حيث أرسله والده إلى الأزهر ليكمل تعليمه. هناك، تتلمذ على يد كبار المشايخ، وكان الإمام الشيخ محمد عبده أستاذه المباشر، حيث تأثر بمنهجه السلوكي في التجديد والإصلاح. حصل المراغي على العالمية وهو في الرابعة والعشرين من عمره، تحت إشراف أستاذه الإمام محمد عبده، مما يعكس نبوغه المبكر.

مسيرته القضائية: من السودان إلى مصر

بدأ الشيخ المراغي التدريس في الأزهر لفترة قصيرة، قبل أن يختار قاضياً للسودان بناءً على طلب حكومة السودان من الشيخ محمد عبده. سافر إلى مديرية دنقلة ثم الخرطوم، لكنه استقال عام 1907 بسبب خلافات حول طريقة اختيار المفتشين الشرعيين. عاد إلى مصر، حيث عين مفتشاً للدروس الدينية بوزارة الأوقاف، لكنه عاد للتدريس في الأزهر مع الاحتفاظ بوظيفته.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

لاحقاً، عرضت عليه حكومة السودان العودة كقاضي قضاة، فاشترط موافقة خديوي مصر، وتم تعيينه. استمر في هذا المنصب حتى ثورة 1919، حيث التف حوله المصريون في مظاهرة كبرى، مما أدى إلى غضب الحاكم العسكري وإنهاء خدمته.

إصلاحات قضائية وتشريعية

تولى الشيخ المراغي مناصب قضائية هامة في مصر، منها رئيس التفتيش الشرعي بوزارة الحقانية، ورئيس محكمة مصر الكلية الشرعية، وعضو ثم رئيس المحكمة العليا الشرعية. قام بإصلاحات جوهرية، حيث شكل لجنة لتنظيم الأحوال الشخصية، ووجهها إلى عدم التقيد بمذهب أبي حنيفة إذا وجد في غيره ما يناسب المصلحة العامة. أصدر في يوليو 1920 قانون الأحوال الشخصية، مما ساهم في تحديث النظام القضائي.

مشيخة الأزهر والإصلاحات التعليمية

تولى الشيخ المراغي مشيخة الأزهر عام 1928، وأنشأ لجاناً لدراسة قوانين الأزهر ومناهج الدراسة، وعمل على تنقيحها. اهتم بالدراسات العليا واقترح إنشاء ثلاث كليات عليا في العلوم العربية والشريعة وأصول الدين. لكن العقبات، خاصة فرض الملك سيطرته على الأزهر، دفعه للاستقالة في أكتوبر 1929.

عاود الرجوع إلى الأزهر بدعم من العلماء والطلبة والحكومة، واستأنف إصلاحاته. أنشأ قسم الوعظ والإرشاد، وطور هيئة كبار العلماء وغير اسمها إلى جماعة كبار العلماء، وتولى رئاسة الجمعية الخيرية الإسلامية. في عام 1931، أسس الجمعية المصرية لمواجهة التبشير.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مواقف شجاعة: تحدى الاستعمار والملك

من أبرز مواقف الشيخ المراغي تحديه للاستعمار البريطاني. في عام 1912، رفض حضور استقبال ملك بريطانيا جورج الخامس في السودان إلا إذا صعد على السفينة مثله، مما أرغم الإنجليز على تغيير بروتوكول الاستقبال. عند مصافحة الملك، رفض الانحناء قائلاً: "ليس في ديننا الركوع لغير الله".

كما تعرض لموقف صعب عام 1945، حين طلق الملك فاروق زوجته الملكة فريدة وأراد تحريم زواجها بعده. رفض الشيخ إصدار فتوى تؤيد ذلك، وقال للملك في المستشفى حيث كان مريضاً: "أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه وإن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله".

الرحيل والإرث الخالد

رحل الشيخ محمد مصطفى المراغي في 14 رمضان 1945، تاركاً وراءه إرثاً من الإصلاح والتحدي. يبقى رمزاً للشجاعة في الدفاع عن المبادئ الإسلامية والاستقلالية في وجه السلطة، مما جعله أحد أبرز شيوخ الأزهر في التاريخ الحديث.