يتساءل الكثيرون عن سبب بداية السنة الهجرية بشهر المحرم، في الوقت الذي وقعت فيه الهجرة النبوية الشريفة في شهر ربيع الأول. هذا السؤال يثير الفضول خاصة مع اقتراب العام الهجري الجديد 1448هـ، حيث نودع عامًا ونستقبل آخر. فما الحكمة من جعل المحرم أول شهور السنة الهجرية؟
سبب بداية السنة الهجرية بمحرم
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصل إلى المدينة المنورة في شهر ربيع الأول، ولكن جُعِل شهر المحرم بداية العام الهجري لأنه كان بداية العزم على الهجرة. وأشارت إلى أن المسلمين يحتفلون في محرم بالعام الهجري وليس بالهجرة نفسها، حيث تحولت الهجرة النبوية إلى معنى وليس مجرد حدث، ونحتفل بذلك المعنى. كما أن جميع الأنبياء هاجروا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأضافت دار الإفتاء أن رواية وجود اليمامة التي تبيض وخيوط العنكبوت أمام غار ثور الذي اختبأ فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه أثناء الهجرة، هي روايات لا سند لها على صحتها. هذه الرواية ظهرت مع الإمام الحلبي في كتابه "إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون"، ولا نجد لها سندًا في وقتنا الحالي، وقد يكون لها سند في الماضي ولكنه ضاع.
التقويم الهجري في عهد عمر بن الخطاب
قبل عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يكن لدى المسلمين تقويم، بل كانت لديهم الشهور فقط. بدأت فكرة التقويم حين بعث أبو هريرة برسالة إلى الفاروق عمر يقول فيها "حدث في رجب"، فرد عليه: في أي رجب؟ هل الماضي أم قبل الماضي؟ فاختلط الأمر عليهما، ومن هنا جاءت فكرة التقويم.
كانت أولى الأفكار أن يبدأ التقويم بتاريخ ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن سيدنا عمر قال إن النبي ولد في بيئة مشركة تعبد الأصنام، ولم تكن هناك أحداث خاصة بالمسلمين. ثم اقترحوا الإسراء والمعراج أو بداية نزول الوحي، لكن عمر رضي الله عنه قال: نجعله بهجرة المسلمين، حيث أصبح لهم وطن وقانون وحاكم، وأصبحوا يصنعون أحداثهم. فاستقر الرأي على أن تكون الهجرة هي بداية التاريخ.
لماذا بداية العام الهجري في محرم؟
بعد اختيار الهجرة كحدث للتأريخ، لم يكن من الممكن أن يبدأ العام من شهر ربيع الذي هو الشهر الثالث، لأن ترتيب الشهور كان مؤرخًا بالفعل. لذلك سُمي العام بالهجري، وعدت السنوات منذ الهجرة. واتفق الصحابة على أن تكون بداية السنة الهجرية في محرم، خصوصًا أن المسلمين بدأوا الهجرة قبل النبي صلى الله عليه وسلم بفترات طويلة، فالنبي هاجر في ربيع الأول، ولكن هناك مسلمين هاجروا قبله.
ورد السر في جعل شهر المحرم أول السنة الهجرية أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الصحابة وقال: إن الله جعل شهر المحرم أول السنة الهجرية لأنه الشهر الذي يلي شهر الحج مباشرة، حيث يعود الناس من الحج وقد غفر الله لهم ذنوبهم وبدأوا حياة جديدة مليئة بالأمل والصدق مع الله، فكانت هذه سنة عمرية.
الحكمة من افتتاح السنة بشهر حرام
الحكمة من أن المولى عز وجل افتتح السنة الهجرية بشهر حرام وهو المحرم واختتمها بشهر حرام وهو ذو الحجة، هو أنه بعد موسم الحج المبارك والمغفرة العظيمة نبدأ شهر المحرم وفيه أيام معظمة. قال أبو عثمان النهدي من السلف الصالح: كانوا يعظمون العشر الأولى من شهر الله المحرم والعشر الأولى من شهر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان. فعلينا الإكثار من الأعمال الصالحة وذكر الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
بداية العام الهجري 1448
تستطلع دار الإفتاء المصرية هلال العام الهجري الجديد وهلال شهر المحرم لعام 1448 هجريًا بعد غروب شمس يوم الإثنين 29 ذي الحجة 1447هـ الموافق 15 يوليو 2026م، بواسطة اللجان الشرعية والعلمية المنتشرة في أنحاء الجمهورية. وذلك لتحديد بداية العام الهجري الجديد 1448هـ، وأول أيام العام الجديد أي غرة شهر المحرم، ما إذا كانت يوم الثلاثاء أو الأربعاء. وفي حال لم تثبت رؤية الهلال يوم الإثنين، فإن الثلاثاء يكون المتمم لشهر ذي الحجة، ويكون الأربعاء 17 يونيو 2026م هو غرة المحرم لعام 1448 وأول أيام العام الهجري الجديد. ويتحقق لدى دار الإفتاء شرعًا من نتائج هذه الرؤية البصرية الشرعية الصحيحة ثبوت رؤية الهلال بالعين المجردة.



