خطيب المسجد الحرام يوصي بتقوى الله في آخر جمعة من العام الهجري
أوصى الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي، إمام وخطيب المسجد الحرام، المسلمين بتقوى الله، منوهاً بأن من اتقى ربه جعل له بين الحق والباطل فرقاناً، ورزقه فيما يريد من الخير إمكاناً.
به يرزقه الله ما يريد من الخير
وأوضح غزاوي خلال الجمعة الأخيرة من شهر ذي الحجة من العام الهجري بالمسجد الحرام بمكة المكرمة، أنه ما أحقر شأن الدنيا! وما أهون قدرها! خطوبها تتجدد، وأشجانها تتعدد.
وتابع: صفوها ممزوج بكدرها، وحلوها متبوع بمرها، أولها عناء، وآخرها فناء، إقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، حلالها حساب، وحرامها عقاب.
وأضاف أنها الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، يخرب عمرانها، ويموت سكانها، وتذهب بهجتها، وتتبدد مسرتها، وتبيد خضرتها، ومع هذا فما أكثر من يميل إليها ويهواها.
وأردف: ويبيع نفسه لرضاها، ويغرق في بحر هواها، ويعيش لها وحدها، ولا ينتظر ما بعدها، فهو في هم لازم، وتعب دائم، مشيراً إلى أنه قد بينت لنا نصوص الوحيين بياناً شافياً حقيقة هذه الدنيا الفانية.
تصغيراً لشأنها وتحقيقاً لأمرها
واستشهد بما قال تعالى تصغيراً لشأنها وتحقيقاً لأمرها: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).
ونبه إلى أن من الناس من استحكمت الدنيا من قلبه، واستحوذت على مشاعره ولبّه، فانغمس في شهواتها وهلك في أوديتها، أولئك الذين وصفهم الله بقوله (وغرتهم الحياة الدنيا).
وأشار إلى أنه ينبغي على المؤمن أن تكون نظرته للدنيا نظرة متوازنة متكاملة، فإدراكه لحقيقتها التي تزهد فيها لا يعني الرهبانية والانقطاع عن الحياة وترك العمل، أو تحريم ما أحل الله.
وأفاد بأن المؤمن مأمور بإعمار الأرض، ومباح له التمتع بالطيبات من الرزق، ومطالب بالسعي في الكسب الحلال والانتفاع به في حدود الشرع، بلا إسراف ولا مخيلة، موضحاً أن زهد المؤمن في الدنيا يدعوه إلى أن يقوم بالإصلاح فيها، بنشر التوحيد والإيمان والسنة، ومدافعة الشرك والشر والفتنة.
أبلغ المواعظ لذوي الأفهام
وبين أن ما ورد في ذم الدنيا من النصوص ليس المقصود منه ذم الحياة أو الأرض أو الزمان، ولكن المقصود ذم العمل السيئ فيها والعصيان، والانشغال بما عن طاعة الرحمن.
واستند لما قال ابن القيم رحمه الله: "الدنيا في الحقيقة لا تذم، وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وإلا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها، وفيها اكتسبت النفوس الإيمان، ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة، إنما كان بما زرعوه فيها، وكفى بها مدحاً وفضلاً".
ولفت إلى أن مرور الليالي والأيام، وانقضاء الشهور والأعوام، من أبلغ المواعظ لذوي الأفهام، قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح بالدنيا من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته.



