جادي آيزنكوت: من قيادة الجيش إلى طموح رئاسة الحكومة الإسرائيلية
جادي آيزنكوت: من الجيش إلى طموح رئاسة الحكومة

جادي آيزنكوت، على مدى العقود الماضية، تحولت جرائم الحرب الإسرائيلية إلى استراتيجية ممنهجة تطبق بـ"وعي بارد" يتجاوز حدود الفطرة إلى ما يشبه الاختيار المتعمد؛ وفي قلب هذا المشهد يظهر رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق جادي آيزنكوت، والذي كشفت نتائج أحدث استطلاعات الرأي تصاعد شعبيته بوصفه أحد أبرز المنافسين المحتملين لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو في الانتخابات المتوقع إجراؤها في سبتمبر أو أكتوبر المقبلين.

صعود آيزنكوت في استطلاعات الرأي

وبحسب استطلاعات الرأي، فقد حقق آيزنكوت تقدما على نتنياهو في مؤشر الملاءمة لتولي المنصب، في ظل مرحلة سياسية وأمنية ضاغطة تواجه فيها حكومة نتنياهو تحديات متزايدة؛ ويستند صعود آيزنكوت إلى مجموعة عوامل متراكمة، أبرزها خلفيته العسكرية والأمنية التي تمنحه مصداقية لدى قطاعات إسرائيلية واسعة، خاصة بعد فشل نتنياهو في التصدي لعملية "طوفان الأقصى"، وفشله في تحقيق أي من الأهداف الإسرائيلية المعلنة في إيران، وما رافقها من نقاشات حول الأداء السياسي والعسكري لحكومته.

وخلال الأشهر الأخيرة، صعد آيزنكوت من لهجة انتقاداته للحكومة، مؤكدا أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وأن إسرائيل لم تنجح في حسم عدد من الملفات الاستراتيجية، وهي مواقف حظيت بانتشار واسع داخل الأوساط الإسرائيلية، لكونها صادرة عن شخصية عسكرية رفيعة شغلت أعلى المناصب في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بحسب جريدة "يديعوت أحرونوت".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

لكن تقارير إعلامية أخرى، تؤكد أن نجاح آيزنكوت في تحويل هذا الزخم إلى انتصار انتخابي مرهون بعوامل عدة، أبرزها قدرة المعارضة على التوحد، وشكل التحالفات الحزبية المقبلة، وتطورات المشهد الأمني والإقليمي، مشددة على أن "نتنياهو لا يزال يمتلك قاعدة سياسية صلبة داخل اليمين الإسرائيلي، كما يتمتع بخبرة انتخابية واسعة مكنته مرارا من تجاوز أزمات بدت في مراحل سابقة أكثر خطورة من الأزمة الحالية".

الإعدامات الميدانية للفلسطينيين

ولد آيزنكوت عام 1960 في طبريا شمال فلسطين المحتلة لأبوين من يهود المغرب، وحصل على البكالوريوس في التاريخ من جامعة تل أبيب، ودبلوم الدراسات العليا من الكلية الأمريكية للدراسات العسكرية والأمنية، والتحق بجيش الاحتلال عام 1978 وتدرج في الرتب حتى أصبح لواء؛ وفي عام 2003 وخلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كان قائدا لفرقة جيش الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، وهي الانتفاضة التي اندلعت عقب اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك السفاح أرييل شارون باحات المسجد الأقصى تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وخلال توليه تلك الفرقة، استخدم آيزنكوت الصواريخ وقذائف الدبابات والرصاص المطاطي والحي والقنابل الغازية والصوتية والحارقة في مواجهة المدنيين الفلسطينيين، واتبع سياسة الإعدامات الميدانية للفلسطينيين، ما أدى إلى استشهاد 4412 فلسطينيا، إضافة إلى 48 ألفا و322 جريحا، فضلا عن ملاحقة الناشطين وقادة الفصائل وقتلهم أو الزج بهم في السجون وإصدار أحكام عالية بحقهم كما حدث مع القيادي في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) مروان البرغوثي والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات.

ويتبنى آيزنكوت، والذي تولى رئاسة أركان جيش الاحتلال بين فبراير 2015 ويناير 2019، مواقف سياسية متطرفة واضحة تجاه القضية الفلسطينية، إذ يرفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بزعم أن ذلك يمثل "مكافأة" لجهات يصفها بـ"الإرهابية"، ويدعو إلى استمرار خضوع كامل المنطقة الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن لسلطة أمنية واحدة، وهو ما يعكس رفضه منح الفلسطينيين سيادة مستقلة على أراضيهم.

عراب إستراتيجية الضاحية في لبنان

يوصف آيزنكوت بـ"عراب إستراتيجية الضاحية في لبنان عام 2006"؛ وهي استراتيجية اعتمدت على تدمير البنية التحتية للضاحية، واعتبار سكانها "محاربين لإسرائيل"، مستندا إلى نصوص تلمودية تبيح أساليب القتل والتدمير والإبادة لبني إسرائيل في حروبهم مع الآخرين.

وتوسع جيش الاحتلال في تبني استراتيجية آيزنكوت في جرائم الحرب المتكررة على الفلسطينيين في غزة، ومنها عملية "الرصاص المصبوب" في ديسمبر 2008، ما أسفر عن استشهاد حوالي 1400 فلسطينيا، بينهم 300 طفل، فيما وصفته الأمم المتحدة بـ"تعمد معاقبة وإذلال وترويع السكان المدنيين".

أكثر حملات القصف دموية في التاريخ

في "عملية الجرف الصامد" التي شنتها سلطات الاحتلال على غزة في يوليو 2014، كانت استراتيجية آيزنكوت سيدة المشهد الدموي، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 1500 مدنيا فلسطينيا خلال 50 يوما فقط، بينهم أكثر من 500 طفل، فيما استهدفت قوات الاحتلال محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة، وسوت أحياء بأكملها بالأرض، في مذابح وصفت بأنها "ترتقي إلى ارتكاب جرائم حرب"، بحسب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

أما المذبحة الأكبر، والتي تبنى فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي استراتيجية آيزنكوت، فتمثلت في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والتي بدأتها في 7 أكتوبر 2023، ووصفت بأحد أكثر حملات القصف دموية في التاريخ، وأدت إلى استشهاد نحو 73 ألف فلسطينيا، وإصابة أكثر من 172 ألفا و202 آخرين، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال.

مزايدة على الدم العربي

دخل آيزنكوت عالم السياسة عام 2022 وانتخب عضوا بالكنيست، واختير عضوا في الحكومة الأمنية المصغرة (الكابينت) التي تشكلت بعد عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023؛ واستغل آيزنكوت اختياره لمنصب وزير بلا حقيبة في مجلس الحرب للظهور في صورة المناوىء لنتنياهو.

وفي مزايدة على الدم، اتهم آيزنكوت حكومة نتنياهو بالإخفاق في تحقيق أهدافها في مختلف ساحات القتال، قائلا إن "غياب الإستراتيجية أصبح إستراتيجية بحد ذاته"، متهما نتنياهو بأنه "يفتقر إلى الشجاعة السياسية ويعاني من الضعف السياسي".

ويقول آيزنكوت: "دفعنا نتنياهو إلى موقف يصبح فيه رئيس الولايات المتحدة صاحب القرار في كل شيء. لقد فرض دونالد ترامب علينا اتفاقا إشكاليا في غزة، ويملي قواعد استخدام القوة في لبنان، ويفرض قيودا على استخدام القوة ضد إيران، ويجبر الطائرات الإسرائيلية على العودة من الجو".

ويضيف: "يدرك نتنياهو جيدا الضرر الذي ألحقه بنا، والطريقة التي أوصلته إلى 7 أكتوبر. وبإمكانه ادعاء أنه لم يتم تحذيره أو أنه لم يجر إطلاعه على آخر المستجدات، لكنه يعلم أنه مسئول عن هذا الفشل؛ نتنياهو يبيع مبادئ الدولة ليكسب أربعة أسابيع إضافية. لقد تحالف مع أشخاص فاسدين يركزون على المصالح الحزبية، ويقود إسرائيل في الاتجاه الخاطئ".

وفي المحصلة، ربما يكشف المشهد الإسرائيلي عن طبقات متداخلة من الصراع السياسي والعسكري، تبدو فيها الاختلافات بين الأقطاب أقرب إلى تباينات في الأسلوب لا في الجوهر، بينما يظل منطق القتل والتشريد والتدمير لغة مشتركة تجمع المتناقضين على حد سواء لالتهام "فطيرة الدم".