لم تعد الشائعات التي تطارد المؤسسات الدينية في مصر مقتصرة على الفتاوى أو المواقف الفكرية، بل تمددت خلال السنوات الأخيرة إلى ملفات المال والتمويل والرواتب، حتى باتت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتداول أرقام ضخمة ومعلومات مجهولة المصدر تتحدث عن «مليارات تذهب إلى الأزهر»، و«رواتب استثنائية للمشايخ»، و«أموال أوقاف لا تخضع لرقابة»، في مشهد يوحي بوجود عالم مالي موازٍ يعمل بعيدًا عن أعين الدولة وأجهزتها الرقابية.
ومع كل موجة جديدة من هذه المزاعم، تجد المؤسسات الدينية الرسمية نفسها مطالبة بإعادة شرح حقائق مالية وقانونية مستقرة، بينما تواصل الشائعات رحلتها السريعة بين الشاشات والهواتف، مستفيدة من سحر الأرقام الكبيرة وقدرتها على إثارة الدهشة والجدل.
أسطورة الـ16 مليار جنيه.. ماذا تعني موازنة الأزهر؟
ربما لا يوجد رقم حظي بقدر من الجدل يوازي الرقم المتعلق بموازنة الأزهر الشريف، إذ يتردد باستمرار أن الدولة تخصص ما يقارب 16 مليار جنيه سنويًا للأزهر، ويجري تقديم هذا الرقم في كثير من الأحيان باعتباره دعمًا ضخمًا لمؤسسة دينية، دون التوقف أمام طبيعة هذه المؤسسة أو حجم الأدوار التي تضطلع بها.
غير أن قراءة الرقم بمعزل عن سياقه تقود إلى استنتاجات مضللة، فالأزهر الشريف لا يمثل مؤسسة دعوية فحسب، وإنما يعد واحدة من أكبر المنظومات التعليمية والخدمية في الدولة المصرية، فمن تحت مظلته تعمل جامعة الأزهر بعشرات الكليات المنتشرة في مختلف المحافظات، كما يشرف على ما يقرب من عشرة آلاف معهد أزهري يدرس بها ملايين الطلاب في مراحل التعليم المختلفة، فضلًا عن شبكة واسعة من المستشفيات الجامعية والمراكز البحثية والمدن الطلابية.
وعند تفكيك بنود الموازنة تتضح الصورة بصورة أكثر دقة، إذ يذهب الجزء الأكبر منها إلى الأجور والتعويضات والمصروفات التشغيلية الخاصة بالعملية التعليمية والعلاجية، بما يشمل رواتب المعلمين وأعضاء هيئة التدريس والأطباء والإداريين والعاملين بمختلف القطاعات التابعة للأزهر، وتشير التقديرات إلى أن ما بين 80 و85% من الموازنة يخصص لهذه البنود، وهي نفقات تخضع للقواعد المالية ذاتها المطبقة على بقية مؤسسات الدولة، ومن ثم فإن الحديث عن كبر ميزانية المشيخة يتجاهل حقيقة أن الأزهر يدير في الواقع منظومة تعليمية وصحية ضخمة، تتطلب بطبيعتها موازنات تتناسب مع حجم ما تقدمه من خدمات لملايين المواطنين.
الزهد في قمة الهرم.. حقيقة راتب الإمام الأكبر
وعلى امتداد السنوات الماضية، لم تتوقف الشائعات المرتبطة برواتب القيادات الدينية، وكان منصب شيخ الأزهر في مقدمة المواقع التي طالتها التكهنات والمبالغات.
ووفقًا للقانون رقم 13 لسنة 2012 الخاص بتعديل بعض أحكام إعادة تنظيم الأزهر، يعامل شيخ الأزهر من حيث الدرجة الوظيفية والمزايا المالية معاملة رئيس مجلس الوزراء، لكن الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لا يتقاضى راتبه المقرر من ميزانية الدولة، إذ تنازل عنه وعن مكافآته منذ توليه المنصب، ووجّه تلك المستحقات إلى الخزانة العامة للدولة، وهي حقيقة موثقة ظلت بعيدة عن كثير من النقاشات التي انشغلت بتضخيم الامتيازات المالية للقيادات الدينية دون الالتفات إلى الوقائع المعلنة.
دار الإفتاء ومستند الـ189 ألف جنيه
وخلال الأيام الأخيرة انتشرت على نطاق واسع صورة لمستند قيل إنه يكشف حصول أحد العاملين بدار الإفتاء المصرية على راتب شهري يبلغ 189 ألف جنيه، وهو الرقم الذي أثار موجة واسعة من الجدل والتعليقات.
غير أن الدكتور أيمن أبو عمر، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية، سارع إلى نفي صحة المستند المتداول، مؤكدًا أن البيانات الواردة فيه لا تعبر عن الواقع المالي للدار، كما أوضح أن الشخص المشار إليه انتهى انتدابه وعمله داخل المؤسسة قبل نحو عشرة أشهر من تاريخ تداول المستند.
وتابع عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية: "وجب التوضيح حتى لا تتحول الشائعات إلى حقائق في أذهان الناس، وتنبيهًا إلى أهمية تحري الدقة قبل تداول أي مستندات أو معلومات غير صحيحة، لأن ذلك يضر بالأفراد والمؤسسات، ويسهم في نشر معلومات مغلوطة لا تخدم المصلحة العامة، حفظ الله بلادنا ومؤسساتنا، وألهمنا جميعًا الصدق وتحري الحقيقة".
أموال الأوقاف.. بين الشائعة والرقابة
ولا يختلف الحال كثيرًا فيما يتعلق بملف الأوقاف، الذي ظل لعقود أحد أكثر الملفات تعرضًا للتأويلات والاتهامات، خاصة ما يتعلق بأموال التبرعات والنذور وعوائد الأصول الوقفية، وتقوم إحدى أكثر الروايات تداولًا على الزعم بأن هذه الأموال تدار بعيدًا عن الرقابة أو يتم توجيهها إلى غير الأغراض المخصصة لها، غير أن الإطار القانوني المنظم لعمل الأوقاف يرسم صورة مختلفة.
فموازنة وزارة الأوقاف الخاصة بإدارة المساجد والأنشطة الدعوية تعد جزءًا من الموازنة العامة للدولة، وتخضع للمراجعة والاعتماد وفق القواعد المالية المعمول بها، أما هيئة الأوقاف المصرية فتتولى إدارة الأصول الوقفية باعتبارها أموالًا مخصصة لتحقيق النفع العام وفق شروط الواقفين، سواء في أعمال البر أو صيانة المساجد أو دعم الأنشطة الخيرية والمجتمعية، مع خضوعها للرقابة المالية والمحاسبية المقررة قانونًا.
كما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في الاعتماد على النظم المصرفية الرسمية في إدارة أموال التبرعات والنذور، بما يضمن تتبع حركة الأموال وإخضاعها للمراجعة والرقابة، ويحد من فرص التلاعب أو الإنفاق خارج الأطر القانونية المحددة.



