إبراهيم الجوهري... قصة الرجل الذي شيد نهضة الكنائس في مصر
إبراهيم الجوهري... باني الكنائس في مصر

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة الأرخن العظيم والمحسن الكريم المعلم إبراهيم الجوهري، أحد أبرز الشخصيات القبطية في القرن الثامن عشر، والذي ارتبط اسمه بأعمال البر والعطاء وتعمير الكنائس والأديرة، حتى أصبح رمزًا خالدًا في الذاكرة الكنسية والتاريخ الوطني.

نشأة المعلم إبراهيم الجوهري

ولد المعلم إبراهيم الجوهري في أسرة بسيطة ببلدة قليوب، لأبوين عُرفا بالتقوى والإيمان، وكان والده يعمل في حرفة الحياكة. تلقى تعليمه الأول في كتاب البلدة، حيث أتقن القراءة والكتابة والحساب، وبرز منذ صغره بحبه للمعرفة وحرصه على نسخ الكتب الدينية على نفقته الخاصة وتقديمها للكنائس.

لفت نشاطه واهتمامه بخدمة الكنيسة أنظار البابا يوحنا الثامن عشر، البطريرك السابع بعد المائة، الذي قدّر غيرته وتقواه، وباركه بكلمات ظل صداها حاضرًا في حياته، لتبدأ بعدها علاقة قوية بينهما كان لها أثر كبير في مسيرته.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مسيرة إدارية مرموقة

شق الجوهري طريقه في العمل الإداري، فبدأ كاتبًا لدى أحد أمراء المماليك، قبل أن يتدرج في المناصب حتى تولى رئاسة كتّاب القطر المصري، وهو من أعلى المناصب الحكومية في ذلك العصر، بما يعادل رئاسة الوزراء حاليًا. ورغم المكانة الرفيعة التي وصل إليها، ظل محافظًا على تواضعه وسيرته الحسنة، ما أكسبه احترام الجميع وثقة الحكام.

دوره في بناء وتجديد الكنائس

سخّر الجوهري نفوذه وإمكاناته لخدمة الكنيسة والأقباط، فكان من أكبر الداعمين لحركة بناء وترميم الكنائس في مصر. يُنسب إليه الفضل في السعي للحصول على فرمان سلطاني يسمح بإقامة الكنيسة الكبرى بالأزبكية، أحد أبرز المعالم الكنسية في القاهرة. كما أسهم في إنشاء وتجديد عدد كبير من الكنائس والأديرة، ودعم الحياة الرهبانية في مختلف أنحاء البلاد.

امتدت أعماله إلى دير القديس الأنبا أنطونيوس، حيث أشرف على بناء السور الشهير المعروف حتى اليوم باسم "سور الجوهري". كما قام بتجديد كنائس تاريخية عديدة، وقدم الدعم المستمر للأديرة والرهبان، إلى جانب اهتمامه بتوفير احتياجات الكنائس من الكتب والشموع والزيت والستور.

أعماله الخيرية

عُرف المعلم إبراهيم الجوهري كذلك بأعماله الخيرية الواسعة، إذ خصص جانبًا كبيرًا من ثروته لرعاية الفقراء والمحتاجين والأرامل والأيتام، ووفر لهم مساعدات دورية تكفل لهم حياة كريمة، ما جعله نموذجًا فريدًا للمحسن المسيحي الذي جمع بين النجاح الإداري والخدمة المجتمعية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

رحيله وإرثه

في مثل هذا اليوم من سنة 1511 للشهداء، الموافق 31 مايو 1795 ميلادية، رحل المعلم إبراهيم الجوهري عن عمر حافل بالعطاء، تاركًا خلفه إرثًا ضخمًا من الأعمال الخيرية والإنجازات الكنسية. عم الحزن الأوساط الشعبية والكنسية آنذاك، كما شارك إبراهيم بك، أمير البلاد، في جنازته تقديرًا لمكانته الرفيعة.

لا تزال ذكرى الجوهري حاضرة حتى اليوم، حيث جرى تجديد مقبرته بمصر القديمة لتظل شاهدًا على سيرة رجل ارتبط اسمه بخدمة الكنيسة والوطن، وبقيت أعماله علامة مضيئة في تاريخ الأقباط، لتصدق فيه العبارة التي خلدها التاريخ: "ذكر الصديق يدوم إلى الأبد".