وجهت اللجنة الدولية للمتاحف ومجموعات الآثار والتاريخ التابعة للمجلس الدولي للمتاحف، بالتعاون مع اللجنة الإقليمية المصرية للمجلس الدولي للمتاحف، دعوة إلى المتخصصين والباحثين في مجال المتاحف لتقديم مقترحات لعروض وأوراق علمية تُعرض خلال الندوة المصاحبة للاحتفالية الكبرى المنظمة داخل المتحف المصري الكبير، باعتباره قلب الحضارة المصرية، وأكبر متحف في العالم مخصص للمجموعات الأثرية والتاريخية ويضم كنوزًا فريدة من آثار الحضارة المصرية القديمة.
محاور ندوات احتفالية اليوم العالمي للمتاحف
تتناول الاحتفالية عددًا من المحاور الرئيسية، ويأتي في مقدمة هذه المحاور «تفكيك الاستعمار في متاحف القرن الحادي والعشرين»، والذي يناقش التحول الذي تشهده المتاحف من قاعات عرض تقليدية موجهة للنخب إلى منصات أكثر تفاعلًا وعدالة اجتماعية، ويتناول المحور الجهود المبذولة لإزالة الطابع الاستعماري عن المتاحف، سواء من خلال إعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى أوطانها الأصلية، أو إعادة صياغة الروايات والبطاقات التعريفية لتشمل وجهات نظر الشعوب المستعمَرة وليس المستعمِرين فقط.
كما يناقش هذا المحور أهمية الإشراف المجتمعي المشترك وإشراك الفئات المهمشة في رواية قصصها بنفسها، إلى جانب العمل على إزالة الحواجز الاقتصادية والثقافية التي قد تعيق وصول الجمهور إلى التراث والمتاحف، بما في ذلك اعتماد سياسات أكثر مرونة فيما يتعلق برسوم الدخول. ويسلط المحور الضوء كذلك على أهمية إبراز تاريخ الناس العاديين وليس فقط أصحاب النفوذ والسلطة، بما يحول المتاحف إلى فضاءات أكثر شمولًا وإنصافًا تعكس هوية جميع الزوار.
أما المحور الثاني، فيتناول دور «المتاحف بوصفها فضاءً لمجتمعات سلمية وشاملة»، حيث يؤكد أن المتاحف لم تعد مجرد مؤسسات معنية بحفظ التاريخ والثقافة، بل أصبحت فضاءات مدنية تسهم في تعزيز الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات المختلفة. ويشير المحور إلى أن المتاحف تمتلك قدرة فريدة على جمع الأفراد من خلفيات وأجيال ومجتمعات متعددة، من خلال تعزيز الشعور المشترك بالتراث وتشجيع التفكير النقدي وإبراز وجهات النظر المتنوعة، الأمر الذي يساعد على بناء مجتمعات أكثر سلمًا وشمولًا.
كما يركز على دور المتاحف باعتبارها «مناطق تواصل» تتيح للمجتمعات المختلفة التعامل مع السرديات المتباينة داخل إطار ثقافي وحضاري يسهم في تقليل الفجوات الاجتماعية ومواجهة التحيزات. ويناقش هذا المحور أيضًا كيف يمكن توظيف الممارسات المتحفية الحديثة، بداية من تصميم المعارض وصولًا إلى تطبيق الحوكمة التشاركية، لدعم المصالحة المجتمعية وتعزيز التعاطف الإنساني والمساهمة في بناء مجتمعات أكثر عدلًا وتنوعًا.
وفيما يتعلق بالمحور الثالث، الذي يحمل عنوان «إدخال مفهوم التنمية المستدامة ضمن ممارسات المتاحف»، فيتناول التحول الكبير الذي تشهده المتاحف على مستوى العالم، حيث أصبحت مؤسسات فاعلة واستباقية في إحداث التغيير الاجتماعي والبيئي. ويؤكد المحور أن دمج مبادئ التنمية المستدامة داخل فلسفة عمل المتاحف وحوكمتها وممارساتها التشغيلية يمثل خطوة جوهرية نحو مستقبل أكثر استدامة، ويتضمن ذلك تطبيق نظم إدارة مرافق صديقة للبيئة، واعتماد ممارسات شراء أخلاقية، وتصميم معارض تعاونية تهدف إلى رفع الوعي بقضايا المناخ وتعزيز المشاركة المجتمعية.
كما يستعرض هذا المحور أهم الاستراتيجيات والأطر المؤسسية وأفضل الممارسات التي تساعد المتاحف على لعب دور قيادي في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود وأكثر شمولًا واستدامة، بما يعزز من دورها الحضاري والإنساني في المستقبل.
الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف
قال الدكتور أسامة عبدالوارث، رئيس المجلس الدولي للمتاحف في مصر، ممثلًا عن اللجنة الوطنية المصرية للمتاحف (إيكوم مصر)، إن الاحتفال بـ «اليوم العالمي للمتاحف 2026» يأتي هذا العام ليؤكد على الدور المتنامي الذي تؤديه المتاحف باعتبارها منصات حيوية لتعزيز الروابط الثقافية والاجتماعية والجيوسياسية بين الشعوب، حيث أصبحت المتاحف اليوم أكثر من مجرد أماكن لحفظ القطع الأثرية والتاريخية، بل تحولت إلى فضاءات مفتوحة للحوار والتفاهم والتقارب الإنساني، بما يسهم في نشر قيم السلام والشمول والتعايش المشترك على مستوى العالم.
وأكد عبدالوارث أن الاحتفال هذا العام يبرز أهمية المتاحف بوصفها مؤسسات عامة موثوقة ومراكز تعليمية وثقافية تسهم في ترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين المجتمعات المختلفة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متزايدة، تتمثل في التفكك الاجتماعي والاستقطاب والتفاوت في فرص الوصول إلى المعرفة والثقافة، تواصل المتاحف أداء دور محوري في إعادة بناء الجسور بين الأجيال والشعوب والحدود، من خلال توفير بيئات تلتقي فيها السرديات الإنسانية المتنوعة، والقطع الأثرية، والزوار، بما يتيح فرصًا للتأمل والتبادل الثقافي والفهم المشترك.
المتاحف توحد عالمًا منقسمًا
يعكس شعار هذا العام «المتاحف توحد عالمًا منقسمًا» قدرة المتاحف على خلق مساحات للحوار القائم على الاحترام المتبادل، مع الاعتراف بالتنوع والاختلافات الثقافية والحفاظ عليها. فمن خلال حماية التراث الثقافي والذاكرة الجمعية، وتوفير بيئات داعمة للتعلم والتأمل، إلى جانب إبراز أصوات متعددة ومتنوعة، تسهم المتاحف في تمكين المجتمعات من التعامل الإيجابي مع القضايا المعقدة والتحديات المعاصرة. كما أن انفتاح المتاحف وإتاحتها للجميع يعزز من قيم التنوع والاستدامة والتماسك الاجتماعي.
وبمناسبة مرور ثمانين عامًا على تأسيس المجلس الدولي للمتاحف ICOM، أكدت اللجنة الدولية للمتاحف ومجموعات الآثار والتاريخ التابعة للمجلس الدولي للمتاحف ICMAH، إلى جانب اللجنة الوطنية المصرية للمجلس الدولي للمتاحف، التزامها بدعم مجتمع المتاحف العالمي وتعزيز دوره المجتمعي والثقافي، كما شددت على أهمية مواصلة العمل وفق الخطة الاستراتيجية للمجلس الدولي للمتاحف، والمتوافقة مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة SDGs.
وفي هذا الإطار، يدعو المجلس الدولي للمتاحف، ضمن فعاليات اليوم العالمي للمتاحف 2026، إلى دعم عدد من أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها الهدف العاشر الخاص بالحد من أوجه عدم المساواة داخل الدول وفيما بينها، والهدف السادس عشر الذي يركز على دعم السلام والعدل وبناء مؤسسات قوية ومجتمعات عادلة وسلمية وشاملة، بالإضافة إلى الهدف السابع عشر المعني بتعزيز الشراكات العالمية لتحقيق التنمية المستدامة.



