خيانة فراش المرض.. الدبيبة يكتب شهادة وفاة الإخوان في ليبيا
الدبيبة يعلن وفاة الإخوان في ليبيا بعد خلاف حاد

لم تكن تصريحات رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، التي هاجم فيها الإخوان بشراسة مجرد زلة لسان أو انفعال عابر، بل حملت في طياتها ملامح زلزال سياسي ضرب أركان العلاقة بين الدبيبة والجماعة في ليبيا. فمن أروقة اجتماع مع أعيان منطقة قصر الأخيار، شن الدبيبة الهجوم الأعنف من نوعه، واصفًا الجماعة بـ"الانتهازية"، ومؤكدًا أن وجودهم قد انتهى، ولن تكون لهم فرصة للعودة إلى المشهد السياسي مجددًا.

تفاصيل الخلاف واتهامات الدبيبة

حسب مصادر مطلعة، كشفت معلومات الدبيبة أن قيادات الإخوان يبحثون عن بديل له، في اللحظة التي ظنوا فيها أن رحيله أصبح وشيكًا. لذا غضب بشدة واعتبرها طعنة في الظهر؛ وخاصة بعد أن استغل أحد قيادات الجماعة فترة مرضه الأخيرة للتواصل مع أطراف خارجية، مدعيًا وفاته إكلينيكيًا للبحث عن دعم لخلافته، وهو ما اعتبره الدبيبة انقلابًا على السلطة واستغلالًا للمرض.

والسؤال المطروح حاليا: هل الخلاف طارئ بينهما أم العلاقة أصبحت معقدة بدرجة أكبر وما سبب هذا التحول؟

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إخوان ليبيا: أزمة الجذور وعقدة التنظيم الدولي

تعود بذور الجماعة في ليبيا إلى أربعينيات القرن الماضي، لكنها ظلت كيانًا مستوردًا في عيون الكثيرين وهو ما أكده الدبيبة حين اتهمهم بمحاولة إدخال أفكار معلبة من الخارج. شكلت الجماعة لسنوات أحد أهم روافد التنظيم الدولي للإخوان مستفيدة من قياداتها في المنافي الأوروبية والأمريكية.

وبحسب عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، يرتبط إخوان ليبيا بعلاقة عضوية وتاريخية مع التنظيم الدولي، ويلتزمون بالأدبيات الفكرية والسياسية المركزية والأجندات العابرة للحدود. وما يقوله “فاروق” تتحدث عنه التقارير الاستخباراتية والحقوقية التي تؤكد وجود علاقة تتجاوز التنسيق الفكري إلى التمويل ورسم الاستراتيجيات، مما يجعلهم في نظر الشارع الليبي جسمًا غريبًا يأتمر بأمر مكتب الإرشاد.

من الميدان إلى التمكين: هل للجماعة أظافر مسلحة في ليبيا؟

في فبراير 2011، لم يكن للإخوان وجود عسكري مؤثر، لكنهم برعوا في هندسة المشهد السياسي عبر حزب العدالة والبناء واختراق مفاصل الدولة. نجحت الجماعة في السيطرة على المؤتمر الوطني العام، واستخدمت سلاح العزل السياسي لإزاحة الخصوم.

ورغم نفيهم الرسمي، كشف الواقع الميداني عن تحالفات عضوية مع دروع ليبيا وغرفة عمليات ثوار ليبيا، وسرايا الدفاع عن بنغازي، كظهير عسكري يحمي نفوذهم عند الإخفاق في صناديق الاقتراع، كما حدث في عملية فجر ليبيا عام 2014.

ويشير الباحث عمرو فاروق إلى أن الجماعة مارست نفوذها عبر الالتصاق بالتشكيلات المسلحة في الغرب الليبي، واستخدام هذه الميليشيات لفرض واقع سياسي معين، بجانب الانخراط في عداء صفري مع القوات المسلحة في الشرق، مما عمق حالة الانقسام المسلح.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تحالف الضرورة: لماذا انقلب الدبيبة الآن؟

لم يكن الدبيبة إخوانيًا يومًا، بل رجل أعمال وسياسي يبحث عن مصالحه. وجد في الإخوان شريكًا منظمًا يمتلك أدوات التأثير عند صعوده للسلطة، لذا استمر التحالف بينهما لسنوات؛ الإخوان يوفرون الغطاء السياسي والتحشيد الميداني، والدبيبة يوفر الشرعية المالية والتمكين.

وعن الأسباب الحقيقية للتحول في العلاقة، يرى عماد عبد الحافظ، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، أنه "دفاع عن الوجود" بعدما وجد الرجل نفسه أمام تيار يحاول وراثته وهو على قيد الحياة. ويضيف “عبد الحافظ” أن الدبيبة بدأ سيناريو فك الارتباط لتأمين مستقبله السياسي بعيدًا عن عبء الإخوان الثقيل دوليًا، مقدمًا كارت تعارف جديد لواشنطن والعواصم العربية بأنه قادر على لجم هذا التيار.

غضب الدبيبة: هل انتهى إخوان ليبيا؟

رغم إعلان الدبيبة وفاة الجماعة سياسيًا، تحذر مراكز الأبحاث من مرحلة كمون التنظيم، حيث يجيد الإخوان التغلغل في المفاصل الإدارية والمالية. ومع ذلك، من المؤكد اليوم خسارتهم للغطاء الشرعي وعزلتهم الشعبية في الداخل والغضب المتجدد في الخارج.

حسب “عبد الحافظ”، فك الارتباط ليس مجرد خلاف عابر، بل زلزال قد يعيد رسم تحالفات الغرب الليبي بالكامل نحو ليبيا جديدة تحاول التخلص من عباءة التنظيم الدولي التي أثقلت كاهلها لسنوات. إذ لا يمكن فصل إعلان الدبيبة عن انتهاء وجود الإخوان في ليبيا عن مشهد الانهيار الشامل الذي أصاب أفرع التنظيم في دول الربيع العربي؛ فما يشهده الغرب الليبي اليوم هو الصدى المتأخر لسقوط الجماعة في مصر عام 2013، وانحسار نفوذ "النهضة" في تونس مؤخرًا. وهذا الترابط العضوي يؤكد أن أزمة التنظيم ليست محلية فحسب، بل هي أزمة نموذج حكم فشل في تقديم بديل مدني وطني، واصطدم بحائط الصد الشعبي الذي بات يرفض التبعية للأجندات العابرة للحدود.

ويضيف الباحث: يعيش التنظيم الدولي للإخوان اليوم حالة من المطاردة من جميع البلدان؛ فبينما كانت واشنطن وعواصم أوروبية تنظر للجماعة سابقًا كشريك سياسي محتمل، تغيرت النظرة لتصبح الجماعة عبئًا أمنيًا وسياسيًا. وما يؤكد ذلك أن الهجوم الذي شنه الدبيبة يتقاطع مع هذا الغضب العالمي المتجدد، حيث باتت العواصم الكبرى تضيق ذرعًا بمناورات التنظيم وسعيه لاختراق المؤسسات المالية والسياسية، وهو ما جعل "فك الارتباط" معهم ضرورة حتمية لأي سياسي يبحث عن شرعية دولية مستقرة.

ويرى مراقبون أن ما وصفه الدبيبة بـ "الانتهازية" ومحاولة الانقلاب عليه في فراش المرض، ليس سلوكًا منفردًا لإخوان ليبيا، بل هو بروتوكول عمل رصده الباحثون في تاريخ الجماعة دوليًا. فمن الصدام مع الدولة في مصر، إلى التآمر على الحلفاء في السودان واليمن، تبرز عقدة التنظيم الذي يضع مصلحة الجماعة فوق استقرار الأوطان. وهذه السمة هي التي جعلت الجماعة تفقد حلفاء الضرورة واحدًا تلو الآخر، لتجد نفسها في مواجهة مع الجميع في آن واحد.

وفي ظل التضييق العالمي والملاحقات القانونية في دول مثل بريطانيا والنمسا وفرنسا، بدأ التنظيم الدولي في التحول من العمل الحزبي المباشر إلى استراتيجية الكمون والضغط، ولاسيما في ليبيا. حيث يدرك الدبيبة والخصوم على حد سواء أن إعلان الوفاة السياسية لا يعني تلاشي الجماعة، بل تحولها إلى خلايا ضغط اقتصادية واجتماعية تحاول التسلل عبر القواعد الخلفية، وهو ما يجعل المواجهة الحالية معهم مواجهة ممتدة، لا تنتهي بكلمة في اجتماع أو قرار إداري، بل تتطلب بناء بديل وطني صلب.