لم تعد أهمية مضيق هرمز تقتصر على كونه شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، بل بات يمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي العالمي. فالمضيق الذي يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، يتحول تدريجيًا إلى عقدة استراتيجية تتحكم ليس فقط في تدفق الطاقة، وإنما أيضًا في تدفق البيانات والاتصالات والمعاملات المالية العابرة للقارات.
تحول نوعي في الصراع الدولي
في هذا السياق، فإن الطروحات الإيرانية الأخيرة المتعلقة بفرض رسوم على الكابلات البحرية للألياف الضوئية العابرة للمضيق تكشف عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد الجغرافيا السياسية مرتبطة بالنفط وحده، بل أصبحت مرتبطة كذلك بالبنية الرقمية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي المعاصر.
إن خطورة هذه الطروحات لا تكمن فقط في بعدها القانوني أو المالي، وإنما فيما تعكسه من تحوّل في إدراك الدول لأدوات القوة والنفوذ. فإيران، التي استخدمت على مدى عقود ورقة الطاقة والملاحة البحرية كوسيلة ضغط جيوسياسي، تبدو اليوم أكثر وعيًا بأهمية الجغرافيا الرقمية وقدرتها على إنتاج نفوذ جديد في بيئة دولية تتزايد فيها مركزية التكنولوجيا والاتصالات.
الكابلات البحرية: شريان الاقتصاد الرقمي
ورغم الصورة الشائعة عن الإنترنت باعتباره فضاءً افتراضيًا غير مادي، فإن أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية تمر فعليًا عبر كابلات بحرية تمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات تحت البحار والمحيطات. هذه الكابلات تنقل يوميًا معاملات مالية بمليارات الدولارات، وتشغل الخدمات السحابية، وتربط الأسواق المالية العالمية، وتدعم أنظمة الاتصالات العسكرية والمدنية، فضلًا عن تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.
وتزداد أهمية هذه الشبكات في منطقة الخليج العربي تحديدًا، باعتبارها نقطة وصل بين أوروبا وآسيا، وبين مراكز الطاقة والاقتصاد الرقمي العالمي. ولذلك، فإن أي اضطراب في الكابلات البحرية المارة عبر مضيق هرمز لن يؤدي فقط إلى بُطء خدمات الإنترنت، بل قد ينعكس مباشرة على الأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، والخدمات المصرفية، وحتى البنية التشغيلية للشركات العالمية.
تجارب سابقة على هشاشة البنية التحتية
حيث تشير تجارب سابقة إلى حجم الهشاشة التي تعاني منها هذه البنية التحتية. ففي عام 2008، أدى انقطاع كابلات بحرية في البحر المتوسط إلى اضطرابات واسعة في خدمات الإنترنت والاتصالات في الشرق الأوسط والهند. كما تسبب قطع كابلات بحرية قرب مصر في تعطيل جزء كبير من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا. أما في البحر الأحمر، فقد أدت الهجمات التي استهدفت سفنًا وبنى تحتية بحرية خلال السنوات الأخيرة إلى إثارة مخاوف متزايدة لدى شركات التكنولوجيا العالمية بشأن أمن الكابلات البحرية.
من جيوبوليتيك الطاقة إلى جيوبوليتيك البنية الرقمية
لطالما ارتبطت المكانة الجيوسياسية لمضيق هرمز بكونه أحد أهم "عُنق الزجاجة" في سوق الطاقة العالمي. فالمضيق يمثل نقطة عبور رئيسية لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج، ما جعل أي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه ينعكس فورًا على أسعار الطاقة والأسواق العالمية. غير أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية أضافت بعدًا جديدًا لأهمية المضيق. فالعالم لم يعد يعتمد فقط على تدفقات النفط، بل على تدفقات البيانات أيضًا. وفي ظل اقتصاد عالمي قائم على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية، أصبحت الكابلات البحرية جزءًا من البنية الاستراتيجية التي لا تقل أهمية عن خطوط النفط والغاز.
ومن هنا يمكن فهم الطرح الإيراني باعتباره محاولة لإعادة توظيف الموقع الجغرافي في إنتاج نفوذ جديد. فإيران تدرك أن قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي لم تعد مرتبطة فقط بتهديد ناقلات النفط، وإنما أيضًا بإمكانية التأثير في تدفقات البيانات والاتصالات العالمية. وهذا التحول يعكس انتقال الصراع الدولي من مرحلة جيوبوليتيك الطاقة إلى جيوبوليتيك البنية الرقمية.
الطرح الإيراني: سيادة رقمية أم ابتزاز جيوسياسي؟
الطرح الإيراني لا يتحدث فقط عن فرض رسوم على الكابلات البحرية، بل يتضمن دعوات لإخضاع شركات التكنولوجيا العالمية للقانون الإيراني وإجبارها على العمل بالشراكة مع شركات محلية، وهو ما يكشف أن القضية تتجاوز البعد المالي نحو محاولة فرض شكل من السيادة الرقمية على البنية التحتية العابرة للمضيق.
لكن هذا التوجه يثير مخاوف عميقة لدى الشركات الغربية والحكومات الكبرى، ليس فقط بسبب الطابع السياسي للنظام الإيراني، وإنما أيضًا بسبب سجل طهران الطويل في مراقبة الاتصالات وفرض القيود على الإنترنت. فإيران تعد من أكثر الدول استخدامًا لسياسات حجب الإنترنت وقطع خدمات الاتصال خلال الأزمات السياسية والأمنية، كما طورت خلال السنوات الأخيرة نموذجًا يقوم على تعزيز الإنترنت الوطني وتقليص الاعتماد على الشبكات العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو المخاوف الغربية مرتبطة بإمكانية تحوّل الكابلات البحرية إلى أداة ابتزاز جيوسياسي، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية. فكما استخدمت إيران سابقًا ورقة الملاحة البحرية وناقلات النفط للضغط على خصومها، قد تسعى مستقبلًا إلى توظيف البنية التحتية الرقمية كورقة تفاوضية في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية.
عسكرة البنية التحتية الرقمية
تكشف هذه الأزمة عن تحوّل أوسع في طبيعة الصراعات الدولية، فالحروب لم تعد تقتصر على استهداف القواعد العسكرية أو المنشآت النفطية، بل امتدت إلى البنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت المخاوف من استهداف الكابلات البحرية في إطار ما بات يُعرف بالحروب الهجينة، حيث تتداخل العمليات العسكرية التقليدية مع الهجمات السيبرانية والضغوط الاقتصادية.
وقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية بوضوح كيف أصبحت البنية التحتية الرقمية جزءًا أساسيًا من الصراع. فالهجمات السيبرانية، ومحاولات استهداف شبكات الاتصالات والطاقة، والتنافس على الفضاء المعلوماتي، كلها كشفت أن السيطرة على البيانات أصبحت جزءًا من معادلات الردع والقوة الدولية. وفي هذا الإطار، فإن التهديدات المرتبطة بالكابلات البحرية في مضيق هرمز تعكس دخول العالم مرحلة جديدة يمكن وصفها بعسكرة البنية التحتية الرقمية، حيث تتحول الكابلات البحرية إلى أهداف استراتيجية لا تقل أهمية عن الموانئ والقواعد العسكرية وخطوط الطاقة.
إشكالية القانون الدولي
بجانب ذلك، تطرح الأزمة الراهنة إشكالية متزايدة تتعلق بقدرة القانون الدولي على مواكبة التحولات التكنولوجية والجيوسياسية الراهنة. فالقواعد القانونية التي تنظّم حرية الملاحة البحرية والكابلات البحرية وُضعت في سياق تاريخي مختلف، قبل أن تصبح البيانات والاتصالات الرقمية عنصرًا مركزيًا في الاقتصاد العالمي. ورغم أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمنح الدول الساحلية بعض الحقوق السيادية، فإنها في الوقت ذاته تؤكد على حرية مرور الكابلات البحرية باعتبارها جزءًا من المصلحة الدولية المشتركة. ولذلك، فإن أي محاولة لتحويل هذه الكابلات إلى أداة للضغط السياسي ستدفع نحو تصاعد التوتر بين مبدأ السيادة الوطنية ومتطلبات الأمن الاقتصادي العالمي.
كما تكشف هذه الأزمة حدود النظام الدولي الحالي، الذي يبدو عاجزًا عن تطوير قواعد واضحة لحماية البنية التحتية الرقمية العابرة للحدود. فالعالم اليوم يمتلك منظومات متقدمة لحماية الممرات النفطية، لكنه لا يمتلك حتى الآن آليات فعالة لحماية "الممرات الرقمية" التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الحديث.
خلاصة: نحو إعادة تشكيل النظام الدولي
غاية القول، أن أزمة مضيق هرمز والكابلات البحرية تعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة القوة الدولية. ففي حين كانت السيطرة على النفط والممرات البحرية التقليدية هي أساس الهيمنة الجيوسياسية خلال القرن العشرين، إلا أنه خلال القرن الحالي نجد أن السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية في طريقها لتصبح المحدد الأهم للقوة والنفوذ. ولذلك، فإن الصراع على الكابلات البحرية لا ينبغي النظر إليه باعتباره أزمة تقنية أو قانونية عابرة، بل باعتباره جزءًا من عملية إعادة تشكيل للنظام الدولي نفسه، حيث تتداخل الجغرافيا بالطاقة بالتكنولوجيا بالأمن السيبراني في معادلة واحدة.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها حماية تدفقات البيانات لا تقل أهمية عن حماية تدفقات النفط، وربما أكثر حساسية وخطورة، لأن الاقتصاد العالمي المعاصر لم يعد يقوم فقط على حركة السفن والطاقة، بل على حركة المعلومات والاتصالات التي باتت تمثل الشريان الحقيقي للعالم الرقمي الجديد.



