في وقت تتزايد فيه التحديات الاجتماعية والفكرية، وتتصاعد الحاجة إلى أدوات ناعمة قادرة على إعادة بناء الوعي، تواصل الهيئة العامة لقصور الثقافة مد جسور الفن والمعرفة إلى المحافظات والقرى والنجوع، عبر برنامج ثقافي واسع لا يكتفي بتنظيم الفعاليات، بل يسعى إلى إعادة الاعتبار لدور الثقافة باعتبارها قوة حقيقية في تشكيل الإنسان المصري.
وخلال الأيام الماضية، شهدت عدة محافظات سلسلة من الأنشطة الثقافية والفنية المتنوعة، التي تنقلت بين المسرح والشعر والموسيقى والفنون التشكيلية وورش الأطفال، في إطار برامج وزارة الثقافة الهادفة إلى تعزيز قيم الانتماء، وترسيخ الهوية الوطنية، ونشر الوعي المجتمعي.
فعاليات في أسيوط
في محافظة أسيوط، احتفى فرع ثقافة أسيوط بعيد العمال من خلال مجموعة من الفعاليات التي ركزت على قيمة العمل ودور العمال في بناء المجتمع. وشهد بيت ثقافة أبنوب ندوة بمدرسة الشهيد فاروق جعفر الثانوية تناولت أهمية العمل والإخلاص فيه باعتباره أساس نهضة الأمم ودعم الاقتصاد الوطني، إلى جانب أمسية شعرية وطنية قدمها الشاعر وليد حشمت.
كما نظمت مواقع ثقافية أخرى بمحافظة أسيوط محاضرات وورش حكي للأطفال تناولت مفاهيم احترام العمل والاعتماد على النفس وترشيد الموارد، فيما قدمت فرقة أسيوط للموسيقى العربية عرضا فنيا ضم مجموعة من الأغاني الوطنية والطربية التي لاقت تفاعلا كبيرا من الجمهور، بينها “صورة” و”أحلف بسماها” و”مصر يا أم الدنيا”. وامتدت الأنشطة إلى الأطفال عبر ورش الرسم والتلوين والحكي، في محاولة لغرس قيم الانتماء والإبداع منذ الصغر، ضمن خطة إقليم وسط الصعيد الثقافي.
برنامج في المنيا
وفي محافظة المنيا، واصل برنامج “المواطنة والانتماء وزيادة الوعي الثقافي والفكري” فعالياته داخل مدرسة بني مهدي الإعدادية المشتركة، عبر يوم ثقافي وفني متكامل استهدف النشء والشباب. وتضمنت الفعاليات ورشة أدبية قدمها الشاعر محمد حكم حول الفروق بين الشعر الفصيح والعامي وفن الزجل، إلى جانب التأكيد على أهمية التعليم والفنون الراقية ودور قصور الثقافة في اكتشاف المواهب.
كما شهدت الفعاليات ندوة توعوية نظمها متطوعو صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، تناولت مخاطر المخدرات وطرق الوقاية منها، فضلا عن ورش فنية وأشغال يدوية للفتيات لتعليمهن استخدام خامات بسيطة في إنتاج مشغولات يدوية. واختتمت الفعاليات بعرض لمسرح العرائس بعنوان “المياه حياة”، تناول بأسلوب مبسط أهمية الحفاظ على المياه وترشيد استهلاكها، في إطار تنمية الوعي البيئي لدى الأطفال.
لقاء أدبي في بورسعيد
أما في بورسعيد، فقد نظم نادي أدب بورفؤاد لقاء أدبيا احتفاء بمئوية تأسيس المدينة، وسط حضور لافت من الأدباء والمثقفين والفنانين، حيث ناقش المشاركون تاريخ المدينة وخصوصيتها الثقافية والاجتماعية، مؤكدين أن الاحتفال بالمئوية لا يمثل مجرد استعادة للماضي، بل بداية لقرن جديد من الإبداع والانفتاح الثقافي. وشهد اللقاء قراءات شعرية ومداخلات نقدية متنوعة، قبل أن تختتم الفعاليات بعرض فني لفرقة بورسعيد للآلات الشعبية بقيادة عازف السمسمية محمود غندر، قدمت خلاله باقة من أغاني التراث البورسعيدي.
مسرح الطفل في القاهرة
وفي القاهرة، واصل مسرح الطفل حضوره عبر عرض “جنينة الأحلام” بقصر ثقافة روض الفرج، وسط إقبال جماهيري كبير، حيث قدم العرض رؤية درامية تمزج بين الخيال والواقع، وتناقش قضايا الخير والشر وتأثيرهما على الأطفال. واعتمد العرض على شخصيات رمزية مثل “الأميرة نور” التي تمثل الخير والطاقة الإيجابية، وشخصية “دساس” التي تجسد الشر والكوابيس، في إطار بصري واستعراضي استهدف ترسيخ القيم الإنسانية لدى الأطفال بأسلوب فني مبسط.
كما انطلقت بحلوان فعاليات “المسرح المتنقل”، الذي يعد أحد أبرز مشروعات هيئة قصور الثقافة للوصول بالأنشطة الفنية إلى المناطق المختلفة، حيث شهد مركز شباب التنمية الشبابية بحلوان حفلا فنيا لفرقة بني سويف للموسيقى العربية، إلى جانب عدد من الورش الفنية للأطفال ومعارض الفنون التشكيلية.
معرض في المنوفية
وفي سياق دعم الحركة التشكيلية بالأقاليم، أعلنت الهيئة العامة لقصور الثقافة افتتاح معرض “تجربة شخصية” بجامعة المنوفية الاثنين المقبل، ضمن مشروع “المواجهة والتجوال”، بمشاركة ثمانية من فناني المحافظة، يقدمون خلاله تجارب ورؤى فنية متنوعة تعكس خصوصية البيئة المحلية وتعدد الاتجاهات التشكيلية.
وتكشف هذه الأنشطة، الممتدة من الصعيد إلى القناة والقاهرة والدلتا، عن توجه واضح لدى وزارة الثقافة لإعادة تفعيل دور المؤسسات الثقافية داخل المحافظات، ليس فقط عبر العروض والندوات، وإنما من خلال بناء علاقة يومية ومباشرة مع الجمهور، خاصة الأطفال والشباب، باعتبار الثقافة أداة أساسية في مواجهة التطرف، وتعزيز الهوية، وفتح مساحات جديدة للإبداع والتعبير.



