شحاتة السيد: استعادة سيناء وطابا والدولة من الإخوان مسار واحد للهوية
شحاتة السيد: استعادة سيناء وطابا والدولة من الإخوان

في تاريخ الأمم، لحظات لا تمر كما تمر الأيام العادية، ولا تُقرأ كما تُقرأ الأخبار العابرة، لأنها تتحول مع الزمن إلى علامات فاصلة بين مرحلتين، وإلى نقاط ارتكاز يعاد عندها فهم معنى الدولة ومعنى الشعب ومعنى البقاء ذاته. مصر، بما حملته عبر قرون طويلة من صراعات وانكسارات وانتصارات، عرفت هذا النوع من اللحظات أكثر من مرة، لكنها في تاريخها الحديث عاشت محطتين تبدوان مختلفتين في الظاهر، بينما يجمعهما في العمق خيط واحد واضح.

استعادة الأرض بعد نكسة 1967

الأولى كانت لحظة استرداد الأرض بعد حرب أكتوبر وما تبعها من عودة سيناء كاملة ثم استعادة طابا. الثانية كانت لحظة استرداد الدولة من قبضة مشروع جماعة الإخوان بعد أن بدا لوهلة أن الوطن يتجه إلى مسار شديد الخطورة. في الحالتين لم تكن المعركة مجرد خلاف حدود أو صراع سلطة، بل كانت معركة هوية وإرادة وحق شعب في أن يبقى سيد قراره.

حين خاضت مصر حرب أكتوبر، لم تكن تدخل مواجهة عسكرية تقليدية فحسب، بل كانت تواجه آثار نكسة ثقيلة حاول العدو أن يجعل منها حقيقة نهائية. بعد 1967 ساد تصور واسع بأن ميزان القوى قد استقر، وأن الاحتلال أصبح أمراً واقعاً، وأن الجيش المصري الذي تلقى ضربة قاسية لن يستطيع استعادة زمام المبادرة لسنوات طويلة. غير أن الدول الكبرى لا تُقاس بلحظات الضعف، والشعوب الحية لا تستسلم بسهولة مهما بلغت قسوة الهزيمة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

من هنا بدأ العمل الحقيقي بعيداً عن الضجيج، سنوات من إعادة البناء والتنظيم والتدريب واستعادة الثقة، حتى جاء اليوم الذي عبر فيه الجندي المصري القناة، وأسقط واحداً من أكثر الخطوط الدفاعية تحصيناً في العالم، وفرض واقعاً جديداً لم يكن كثيرون يتصورون إمكان حدوثه. لم يكن العبور مجرد نجاح عسكري، بل كان إعلاناً بأن الإرادة الوطنية إذا امتلكت الصبر والتنظيم تستطيع أن تكسر ما يبدو ثابتاً وأن تقلب المعادلات التي ظنها الآخرون نهائية.

طابا: انتصار بالوثيقة والتحكيم

ثم جاءت السنوات التالية لتؤكد أن النصر العسكري، مهما كان عظيماً، لا يكتمل إلا إذا تُرجم إلى نتائج سياسية وقانونية تحفظ ثماره. عادت سيناء تدريجياً، ثم جاءت معركة طابا لتقدم درساً آخر في معنى الدولة التي تعرف حقوقها ولا تتنازل عنها. لم تكن طابا مجرد بقعة صغيرة على الخريطة، بل كانت اختباراً لإصرار مصر على ألا يبقى شبر واحد من أرضها خارج السيادة الوطنية. انتصرت مصر هذه المرة بالوثيقة والحجة والتحكيم الدولي، كما انتصرت من قبل بالسلاح والدم. وهكذا اكتملت صورة ملحمة طويلة بدأت في ميدان القتال، ثم امتدت إلى ميدان القانون والدبلوماسية، لتؤكد أن قوة الدولة ليست فقط في جيشها، بل أيضاً في قدرتها على إدارة الصراع بعقل بارد وإرادة ثابتة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الخطر الداخلي: مشروع الإخوان

لكن أخطار الدول لا تأتي دائماً من الخارج. أحياناً يكون الخطر أشد تعقيداً حين يأتي من الداخل، لأنه يرتدي أقنعة مختلفة، ويتحدث بلغة مطمئنة، ويتسلل عبر لحظات الارتباك والانقسام. وهذا ما عرفته مصر في السنوات التي أعقبت الاضطرابات الكبرى، حين حاولت جماعة الإخوان أن تستثمر حالة السيولة السياسية لتنتقل من موقع التنظيم إلى موقع الهيمنة، ومن خطاب المشاركة إلى مشروع السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة. لم تكن المشكلة في التنافس السياسي من حيث المبدأ، فهذا حق طبيعي في أي مجتمع حي، وإنما في تصور يرى الوطن غنيمة، والدولة أداة تمكين، والمجتمع ساحة فرز بين تابع ومعارض.

مع مرور الوقت، بدأت الفجوة تتسع بين الشعارات التي رُفعت وبين الممارسة على الأرض. فبدلاً من بناء توافق وطني واسع يضم الجميع، تصاعد منطق الإقصاء والاستحواذ. وبدلاً من إدارة دولة معقدة ومتنوعة بحجم مصر بعقلية المؤسسات، ظهر ميل واضح إلى تقديم التنظيم على الدولة، والولاء على الكفاءة، والطاعة على الحوار العام. كانت الرسالة التي تلقاها كثير من المصريين أن الدولة التي عرفوها تتعرض لتغيير جوهري، وأن الهوية الوطنية الجامعة يجري استبدالها بهوية أضيق، وأن مؤسسات راسخة يُراد تطويعها لصالح مشروع لا يتسع إلا لأصحابه.

30 يونيو: استعادة الدولة

هنا جاءت اللحظة الفاصلة الثانية في تاريخ مصر الحديث. خرج ملايين المصريين في 30 يونيو إلى الشوارع والميادين، لا طلباً لفوضى جديدة كما روج البعض، بل رفضاً لاختطاف الدولة. كان المشهد أكبر من احتجاج سياسي وأعمق من مجرد خلاف حول إدارة السلطة. حين يخرج هذا العدد الهائل من الناس بهذه الصورة الواضحة، فإنهم لا يغيرون رئيساً فقط، بل يعلنون تمسكهم بطبيعة دولتهم ومسارها التاريخي. وفي تلك اللحظة، لم تكن مؤسسات الدولة بعيدة عن نبض الشارع، بل تدخلت لمنع انزلاق البلاد إلى صدام أهلي مفتوح، ولحماية الإرادة الشعبية من أن تُسحق بين الاستقطاب والعنف والفوضى. وهكذا بدأت مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة من مشروع داخلي أراد إعادة تعريفها بعيداً عن تاريخها وطبيعتها.

سيناء مجدداً: معركة ضد الإرهاب

ولم يتوقف الأمر عند حدود السياسة. فبعد سقوط الجماعة من الحكم، تشابكت مسارات من التحريض والعنف والإرهاب، وظهرت محاولة لدفع البلاد إلى الفوضى عبر استهداف مؤسساتها واستنزافها، خاصة في سيناء التي حاولت التنظيمات المتطرفة تحويلها إلى ساحة مفتوحة للعمليات المسلحة. وهنا يظهر الرابط العميق بين معركتي الأمس واليوم. فالأرض التي رُويت بدماء الأبطال في معركة التحرير، عادت لتشهد تضحيات جديدة دفاعاً عن الدولة الحديثة. سيناء التي استعادت مصر سيادتها عليها، كان لا بد أن تبقى جزءاً آمناً من الوطن، لا منطقة رخوة تتسلل إليها الجماعات المسلحة أو تتحول إلى منصة تهديد دائم.

خاضت القوات المسلحة والشرطة المصرية معركة شاقة وطويلة ضد التنظيمات الإرهابية، دفعت فيها ثمناً غالياً من دماء الشهداء، لكنها نجحت في النهاية في تحطيم البنية الرئيسية لهذا الخطر، وإعادة فرض السيطرة الكاملة على مناطق حاول المتطرفون زعزعتها. لم تكن تلك المواجهة سهلة، لأنها جرت في بيئة إقليمية مضطربة، وتداخلت فيها حدود مفتوحة وحسابات معقدة ودعم خفي لبعض الجماعات. ومع ذلك، أثبتت الدولة المصرية مرة أخرى أن قدرتها على الصمود ليست أمراً عارضاً، بل نابعة من رسوخ مؤسساتها، ومن وعي مجتمع خبر معنى الدولة وخطورة ضياعها.

الخيط الواحد: الإرادة المصرية

إذا كانت حرب أكتوبر قد استعادت الأرض، فإن معركة السنوات الأخيرة استعادت معنى الدولة. والدولة هنا ليست مجرد مبانٍ حكومية أو أجهزة إدارية، بل فكرة النظام العام، وهيبة القانون، واستمرار المؤسسات، وقدرة المجتمع على العيش في إطار مستقر لا تحكمه الميليشيات ولا تبتزه التنظيمات. وقد أدرك المصريون، بفطرة سياسية راكمتها خبرة طويلة، أن ضياع الدولة أخطر من أي خلاف سياسي عابر، وأن إنقاذها أولوية تتقدم على كل الحسابات الأخرى.

ومن ينظر إلى المشهدين معاً، يكتشف أن الخيط الذي يربطهما واضح وبسيط في الوقت نفسه: مصر حين تُختبر، تستدعي أفضل ما فيها. في أكتوبر استدعت شجاعة الجندي، وصبر الشعب، وعبقرية التخطيط. وفي مواجهة مشروع الإخوان والإرهاب، استدعت وعي الناس، وصلابة المؤسسات، وقدرة المجتمع على التمييز بين السياسة المشروعة ومحاولة السطو على الوطن باسم الدين أو الديمقراطية أو أي لافتة أخرى.

هذه هي خصوصية مصر التي قد يسيء البعض فهمها. فهي لا تتحرك بسرعة دائماً، ولا تنجرف وراء الانفعال بسهولة، لكنها حين تصل إلى لحظة الحسم تتحرك بعمق، وتغيّر المعادلة من جذورها. قد تصبر طويلاً، وقد تتحمل كثيراً، لكنها حين تقرر الدفاع عن نفسها تفعل ذلك بوصفها دولة تعرف وزنها، لا جماعة تبحث عن مكسب مؤقت. نعم، رجعنا سينا وطابا، ورجعنا الدولة من قبضة الإخوان.