أعلنت وزارة الأوقاف المصرية عن موضوع خطبة الجمعة المقبلة، والذي يأتي ضمن الإصدار الحادي والخمسين من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء»، تحت عنوان: «إتقان العمل واجب ديني وحضاري».
وأوضحت الوزارة في بيان رسمي أن الهدف من هذه الخطبة هو التوعية بأهمية إتقان كل شخص لعمله، وبيان أثره في بناء المجتمع وتشييد الحضارة. كما أشارت إلى أن موضوع الخطبة الثانية سيكون عن «الاحتيال المالي ومشكلة المستريح»، وذلك ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك».
نص خطبة الجمعة المقبلة
الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنعه، وأبدع الموجودات على غير مثال سبق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خير من قام بما أمر به من ربه، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وبذل في سبيل ذلك كل جهد، حتى أشرقت بنور دعوته الآفاق، واهتدت به القلوب بعد ضلال.
أما بعد، فقد أولت الشريعة الإسلامية قضية العمل عناية كبرى، وكيف لا، وفي إتقانه تُبنى الحضارات، وترتقي الأمم، وتُصان الكرامات؟! بل كيف يجتمع إيمان صادق مع إنسان لا يُحسن العمل، ولا يُجيد ما وُكِل إليه؟! فبقدر ما يكون الإيمان راسخًا في قلب المؤمن، بقدر ما يتجلى أثره في إتقان صنعته، وحسن أدائه، والقيام بأعباء وظيفته على أكمل وجه؛ إذ الإيمان الحق منهج تربية يدعو المؤمن إلى إتقان ما يناط به.
الإيمان يعلم الإتقان
جاء الإسلام بمنهج قويم يؤكد من خلاله أن الإتقان غاية سامية يقصدها الشرع الشريف من وراء الأوامر والنواهي؛ لينطلق المؤمن، وقد تشرّب هذا المعنى، إلى القيام بما أناطه الله به من أعمال، تعود على الإنسانية بالنفع والخير، وتُشيّد صروح العمران على أساس من الإخلاص والإحسان.
في القرآن الكريم يقول الله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: ٢]، ولم يقل أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، فكأنه يلفت أنظارنا إلى قضية الإتقان وليس الكم. ويغرس فينا النبي صلى الله عليه وسلم خلقًا جليلًا، هو المصاحب للمؤمن في سيره إلى مولاه جل جلاله، ألا وهو المراقبة، فيقول مجيبًا عن سؤال جبريل عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه مسلم].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ» [متفق عليه].
الإتقان أساس انتظام الكون
الإتقان منهج حياة وسنة كون؛ به تنتظم الأمور، وتستقيم الأحوال، وتبلغ الأعمال غاياتها في الكمال، فهو الميزان الذي توزن به قيمة الإنسان، والمعيار الذي تقاس به حضارة الأمم؛ إذ لا قيام لعمران، ولا ازدهار لحضارة، إلا إذا قامت على أكتاف أناس يُحسنون ما يعملون، ويؤدون ما أُسند إليهم بإخلاص وإحكام.
قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: ١٣٤]، وقال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: ٨٨].
الإتقان ضرورة إنسانية وفريضة شرعية
أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أن الإتقان في العمل أمر يحبه الله تعالى فقال: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [المعجم الأوسط للطبراني]. إن هذا الحديث العظيم يضع لنا قاعدة شاملة في حياتنا كلها، فلا يقتصر على عبادة دون أخرى، ولا على عمل دون غيره، بل يشمل الدين والدنيا، العبادة والمعاملة، الخلق والسلوك.
يقول وهيب بن الورد: "لا يكن هم أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه". [صفة الصفوة].
دعوة القرآن إلى إتقان العمل
أشار القرآن في محكم آياته إلى إحكام الصنعة وإتقان العمل في غير موضع، فيقول تعالى على لسان ذي القرنين: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: ٩٥]. كما أشار إلى ذلك في قوله على لسان سليمان عليه السلام: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} [النمل: ٤٤].
احتراف المهن باب رزق ومغفرة ذنوب
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» [مسند إسحاق بن راهوية].
الخطبة الثانية: الاحتيال المالي ومشكلة "المستريح"
إن الاحتيال المالي، المعروف مجتمعيًا باسم مشكلة "المستريح"، من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة في المجتمع المصري، مستهدفة البسطاء من المواطنين، ومستغلة احتياجهم لتحقيق الربح السريع خارج الإطار القانوني والاقتصادي السليم.
ويقوم هذا النمط من الاحتيال على إغراء الناس بعوائد مالية مرتفعة مقابل تسليم مدخراتهم لأشخاص يزعمون تشغيلها في أنشطة استثمارية وهمية أو غير واضحة المعالم، وقد ترتب على بروز هذه المشكلة ضياع أموال آلاف الأسر، وتعرض الكثيرين لحالات إفلاس نفسي ومادي، وارتكاب بعضهم لسلوكيات شخصية ضارة نتيجة الخسارة.
روى البخاري وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ».
واختتمت الخطبة بإجراءات عملية لمواجهة مشكلة المستريح، منها: التروي قبل اتخاذ أي قرار مالي، والتحقق من الجهة أو الشخص، وعدم تسليم الأموال دون مستند رسمي، واستشارة أهل الخبرة، وتجنب التعاملات غير الموثقة، والحذر من الوعود غير المنطقية.



