وفاة ضياء العوضي في دبي: هل هي طبيعية أم شبهة جنائية؟
وفاة ضياء العوضي: طبيعية أم شبهة جنائية؟

في كل مرة يرحل فيها شخص في ظروف غامضة، أو في مكان يحيط به شيء من البعد عن محيطه الطبيعي، ينفتح باب التأويل على مصراعيه. وهكذا كان الحال مع وفاة الدكتور ضياء العوضي في أحد فنادق دبي، واقعة تحولت في ساعات قليلة من خبر إلى ساحة صاخبة بالتكهنات. هل كانت وفاة طبيعية؟ أم أن هناك شبهة جنائية جرى التستر عليها؟

المثير هنا ليس الواقعة في حد ذاتها بقدر ما هو رد الفعل الجمعي تجاهها. فبينما تغيب لدى العامة الأدلة القاطعة، يتقدم الحدس الشعبي ليملأ الفراغ، ويعيد بناء المشهد وفق ما يراه أكثر إثارة أو اتساقا مع تصوره للعالم. هذه الظاهرة ليست جديدة، حيث لها جذور عميقة في علم النفس المعرفي. الإنسان بطبيعته كائن يبحث عن المعنى، ويرفض الفراغ التفسيري. عندما لا يجد تفسيرا واضحا ومكتملا، يميل إلى سد الثغرات بأي رواية تبدو منطقية، حتى وإن كانت تفتقر إلى الأدلة. هنا يظهر ما يعرف بانحياز التأكيد، حيث يختار الفرد المعلومات التي تدعم فرضيته المسبقة ويتجاهل ما سواها.

الشك في الرواية الرسمية

ثم يأتي عامل آخر لا يقل أهمية وهو نزعة الشك في الرواية الرسمية. ففي مجتمعات عانت تاريخيا من نقص الشفافية أو تضارب المعلومات، يصبح التشكيك رد فعل تلقائي. كل بيان رسمي يقابل بسؤال: ماذا لم يقل؟ وما الذي يخفى خلف الكلمات؟ ومع الوقت، يتحول هذا الشك الصحي إلى شك مرضي، يرى في كل حادثة مؤامرة محتملة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دور وسائل التواصل الاجتماعي

ولا يمكن إغفال دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى مسرع نظريات. المعلومة غير المؤكدة تنتشر بسرعة الضوء، والتخمين يعاد تدويره حتى يكتسب مظهر الحقيقة. وفي بيئة كهذه، لا يحتاج الأمر إلى دليل بل إلى قصة جذابة وصياغة مثيرة وبعض الثقة الزائفة.

رفض العشوائية

هناك أيضا بعد نفسي أعمق وهو رفض العشوائية. فكرة أن إنسانا قد يموت فجأة، دون سبب درامي أو خلفية معقدة، فكرة صعبة القبول. العقل البشري يفضل السرديات المحكمة: قاتل، دافع، مؤامرة، لأن ذلك يمنحه إحساسا زائفا بالسيطرة والفهم. أما الوفاة الطبيعية المفاجئة فهي تذكير قاس بهشاشة الحياة، وهو ما يحاول البعض الهروب منه عبر نسج قصص بديلة.

لكن بين كل هذه الدوافع، يظل السؤال الأهم: هل نحن أمام بحث حقيقي عن الحقيقة، أم أمام رغبة في تصديق ما نريد تصديقه؟ القضية هنا لا تتعلق بضياء العوضي وحده، بل بطريقة تفكيرنا كمجتمع. التسرع في إطلاق الأحكام، وتبني الروايات غير المدعومة، لا يضر فقط بسمعة الأشخاص أو الجهات، إنما يضعف قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والوهم.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

المنهج العلمي ببساطة يقوم على الأدلة: يعني تقرير طبي وتحقيق جنائي وقرائن مادية. ما دون ذلك يظل في دائرة الاحتمال، لا اليقين. وبين الاحتمال واليقين مساحة يجب أن تحترم، لا أن تملأ بالصخب. في النهاية، في أي واقعة، لا أقصد فقط وفاة الدكتور ضياء، قد تكشف التحقيقات أن الوفاة طبيعية، وقد تفتح بابا لاحتمالات أخرى. لكن المؤكد أن الحقيقة لا تبنى على الظنون، ولا تستخرج من التعليقات المتداولة. وربما يكون السؤال الأصدق ليس: هل قتل فلان أم مات؟ إنما: لماذا نصر نحن قبل أن نعرف على أنه قتل؟