أكد الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي، إمام وخطيب المسجد النبوي، أن الناس جميعاً يسعون في الحياة، لكن سعيهم يختلف في الميزان عند الله تعالى. جاء ذلك في خطبة الجمعة الأولى من شهر ذي القعدة من المسجد النبوي بالمدينة المنورة.
السعي في الظاهر واحد وفي الميزان مختلف
أوضح الثبيتي أن حركة الحياة تظهر الناس جميعاً يسعون، ولا يكاد أحد يسكن أو يكف عن العمل. واستشهد بقوله تعالى: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)، مشيراً إلى أن السعي واحد في الظاهر لكنه في الميزان مختلف. وتابع: تتشابه الأعمال وتفترق المقاصد، فهذا يعمل للدنيا وذاك يعمل للآخرة، وثالث يسعى ولا يدري لم يسعى. حركة الأيدي واحدة لكن اتجاه القلوب هو الذي يصنع الفارق، فتعلو الأعمال بصدق المقاصد.
السعي في الإسلام أوسع من العبادة الظاهرة
أشار خطيب المسجد النبوي إلى أن السعي في الإسلام ليس محصوراً في صلاة أو عبادة ظاهرة، بل هو أوسع وأشمل. فهو حركة الإنسان كلها في عمله وبيته وتجارته وتعليمه وعلاقاته وقراءاته. وأضاف: فالمعلم سعي، والتاجر سعي، والطبيب سعي، ورب الأسرة سعي، وكل واحد منهم إما أن يسعى إلى الله أو يسعى بعيداً عنه. ومن هنا تتجلى القاعدة التي تضبط هذا الاتساع بقوله سبحانه: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا).
تشابه العمل واختلاف الوجهة
أفاد الثبيتي بأن العمل قد يتشابه، لكن الذي يرفعه أو يضعه هو الوجهة التي يتجه إليها القلب. ففي التعليم، قد يتعلم اثنان، فيرتفع أحدهما لأنه أراد الإصلاح، ويخسر الآخر لأنه أراد السمعة. وفي التجارة، قد يتاجر اثنان، فيبارك لأحدهما لأنه قصد الحلال وخدمة الناس، ويحرم الآخر لأنه جعل غايته مجرد الكسب. وبناء على ذلك، ينقسم السعي إلى سعي حميد وسعي ضائع.
السعي الحميد والسعي الضائع
نبه خطيب المسجد النبوي إلى أن السعي الحميد هو الذي امتلأت به الحياة لكنه اتجه إلى الله. فالعمل الدنيوي بنية صالحة يتحول إلى عبادة، ويبارك أثره ويكبر. فالنوم بنية التقوى طاعة، والعمل بإتقان عبادة، والإنفاق على الأهل قربة، والسعي في قضاء حوائج الناس إحسان. أما السعي الضائع فهو الذي يكثر فيه التعب وتغيب عنه النية وتضيع فيه الوجهة. وأشار إلى أن من أراد الآخرة صدق القلب، وقوم الوجهة، وسعى لها سعياً منضبطاً على هدي الشرع، بإيمان يحيي العمل ويبارك أثره.
نداء الاستباق إلى الخيرات
لفت الثبيتي إلى أنه إذا استحضر المسلم هذا الفضل العظيم وسعة العطاء، جاء النداء الرباني: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)، نداء يوقظ قلب المسلم ويستنهض همته ليجعل حياته ميدان سباق، بل يجعل حياته كلها لله في عمله وراحته وكسبه وعطائه.
وصية بتقوى الله
أوصى إمام وخطيب المسجد النبوي المسلمين بتقوى الله تعالى وطاعة المولى الكريم للفوز بالمغفرة والأجر العظيم، مستشهداً بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).



