فقدت الأوساط الثقافية المصرية، اليوم الجمعة، الشاعر الكبير سمير عبد الباقي، عن عمر ناهز 87 عاماً، بعد مسيرة طويلة امتدت لعقود، تاركاً إرثاً أدبياً وثقافياً جعله أحد أبرز الأصوات الشعرية في مصر، خاصة في مجال شعر العامية وأدب الطفل والمسرح.
مسيرة إبداعية حافلة
يُعد سمير عبد الباقي واحداً من أبرز شعراء جيل الرواد في مصر، حيث جمع بين الحس الشعبي والبعد الإنساني، واستطاع أن يعبر في قصائده عن قضايا الناس وهمومهم بلغة قريبة من القلب، جعلته حاضراً في وجدان أجيال متعددة من القراء. وعلى مدار مسيرته الطويلة، أثري المكتبة العربية بما يقرب من أربعين ديواناً شعرياً بالعامية والفصحى، من بينها ستة دواوين مخصصة للأطفال، كما كتب للمسرح واهتم بالتراث الشعبي، مما جعله أحد الأصوات الثقافية المؤثرة التي امتدت بصمتها إلى أكثر من مجال إبداعي.
النشأة والتعليم
ولد الشاعر الراحل في 15 مارس عام 1939 بقرية ميت سلسيل التابعة لمحافظة الدقهلية، داخل أسرة بسيطة، حيث كان والده مدرساً قبل أن يصبح مأذوناً شرعياً. انتقلت الأسرة لاحقاً إلى القاهرة، حيث بدأ وعيه الثقافي في التشكل مبكراً، فحصل على الشهادة الابتدائية عام 1950، ثم شهادة الثقافة عام 1954، والتوجيهية القسم العلمي عام 1955، قبل أن يلتحق بكلية الزراعة بجامعة عين شمس، ليتخرج في قسم الاقتصاد الزراعي والتعاون عام 1966. هذه الدراسة لم تمنعه من الاتجاه إلى الأدب والفنون والعمل الثقافي، كما حصل لاحقاً على دبلوم الدراسات العليا بالمعهد العالي للفنون المسرحية، في خطوة عكست شغفه المبكر بالمسرح والإبداع الفني.
البدايات الأدبية والنشاط العام
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، انجذب سمير عبد الباقي إلى النشاط العام والسياسي والاجتماعي داخل قريته والجامعة، وبدأ يكتب قصائده الأولى بالفصحى قبل أن يجد صوته الحقيقي في العامية المصرية. أصدر مجلة حائط بقريته، وشارك في تقديم عروض مسرحية بإمكانات بسيطة عبر نادي الطلبة، في بدايات كشفت مبكراً عن حسه الثقافي والاجتماعي.
المناصب الثقافية والإسهامات
لم يقتصر عطاؤه على الشعر فقط، بل تقلد الراحل عدداً من المناصب الثقافية المهمة، حيث عمل مديراً عاماً للثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية، ثم مستشاراً ثقافياً لقطاع الفنون الشعبية، ومديراً عاماً للإدارة العامة للتفرغ بوزارة الثقافة. أسهم من خلال تلك المواقع في دعم الحركة الأدبية والفنية واكتشاف المواهب، فضلاً عن اهتمامه الكبير بثقافة الطفل ومسرح العرائس وخيال الظل. شارك في تأسيس أو تحرير عدد من المجلات والجرائد الأدبية والثقافية، من بينها "صوت الفلاحين" و"المقاومة الشعبية" و"سمير" و"صباح الخير"، إلى جانب مشروع "شمروخ الأراجوز" الذي ارتبط باسمه لسنوات طويلة.
الجوائز والتكريمات
حصد سمير عبد الباقي خلال مشواره الأدبي عدداً من الجوائز المهمة، من بينها جائزة اتحاد الكتاب لشعر العامية، وجائزة التفوق، ووسام الشرف والالتزام بالوطن والشعب، تقديراً لما قدمه من أعمال ارتبطت بقضايا الإنسان البسيط والهوية المصرية. عرف بغزارة إنتاجه الأدبي، حيث تجاوزت أعماله أربعين ديواناً، فضلاً عن كتاباته النقدية ومشاركاته في مؤتمرات ومهرجانات ثقافية عديدة تخص الطفل والمسرح الشعبي، وهو ما رسخ مكانته كأحد رموز الثقافة المصرية الحديثة.



