تشهد الساحة السياسية والتشريعية في مصر هذه الأيام فصلًا جديدًا من فصول الصراع على هوية النص القانوني، ومرجعيته الأخلاقية والاجتماعية والدينية. ولم يكن البيان الصادر عن الأزهر الشريف، والذي نفى فيه رسميًا عرض مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد عليه أو مشاركته في صياغته، مجرد توضيح لموقف، بل جاء كحجر ثقيل أُلقي في مياه راكدة، ليعيد ترسيم الحدود الفاصلة بين المناورات التشريعية وتهافت بعض الشخصيات والمنصات الحقوقية، وبين رسوخ المرجعية الدينية والدستورية التي يمثلها الأزهر.
دلالات بيان الأزهر
إن بيان الأزهر لم يكن عن رغبة في المشاكسة السياسية أو بحثًا عن استعراض نفوذ، بل ينطلق من تفويض تاريخي ودستوري وديني جعله، بضمير شعبي جارف، صمام الأمان لأدق تفاصيل الحياة اليومية للمصريين. وبالتالي، فإن الهجوم الضاري الذي شنه البعض من وراء لافتات الحداثة المصطنعة أو عبر منصات حقوق المرأة يعكس مأزقًا حقيقيًا في فهم طبيعة الدولة المصرية وصيغتها الحضارية.
هؤلاء الذين سارعوا إلى توجيه السهام للأزهر، متهمين إياه بتعطيل مسيرة التحديث، تناسوا عمدًا خطورة تمرير تشريع يمس السكينة المجتمعية والعلاقات الأسرية دون نيل المشروعية والشرعية الكاملة. كما أن محاولة تغييب الأزهر عن مرحلة الصياغة، ثم الخروج بتصريحات إعلامية توحي بالاتساق والتوافق مع رؤيته، هي نوع من الإخراج المشوه لمعركة تشريعية كان الأولى بها أن تدار في النور وبمنتهى الشفافية.
ملفات شائكة في القانون
تتجلى المفارقة هنا في محاولة المهاجمين القفز فوق الواقع الحرج للتشريع المتداول، إذ يتضمن القانون ملفات شائكة فقهيًا وعمليًا، منها:
- الاتفاقات المالية الجبرية الملحقة بالعقد
- مسائل الطلاق الشفهي والكتابي
- إعادة تنظيم الولاية والحضانة وتعدد الزوجات
هذه ملفات لا يمكن حسمها بقرار بيروقراطي أو بضغوط من تيارات تبحث عن أدوار استعراضية في الفضاء الإلكتروني. كما أن محاولة تغييب المؤسسة الدينية أو الالتفاف على رأي هيئة كبار العلماء قبل الإحالة الرسمية ليس انتصارًا لمدنية الدولة، بل هو خطر حقيقي يهدد ثقة المجتمع بالتشريع ويفتح الباب واسعًا أمام انقسام شعبي نحن في غنى عنه.
أزمة مصداقية في الحوار المجتمعي
حين يخرج رئيس لجنة إعداد القانون ليؤكد أن القانون متوافق مع الشريعة بنسبة 100%، في نفس الوقت الذي يعلن فيه الأزهر براءته من الصياغة الحالية، فإننا لسنا أمام مجرد سوء تفاهم إجرائي، بل أمام أزمة مصداقية في إدارة الحوار المجتمعي. كما أن الحديث بلسان الأزهر في غيابه هو ذروة التهافت السياسي.
لقد وضع بيان الأزهر النقاط فوق الحروف الإجرائية الصحيحة، فالأزهر لا ينافس البرلمان سلطته، ولا يصادر حق نواب الشعب في التشريع أو الحكومة في الاقتراح واتخاذ القرارات، لكنه يذكر الجميع بأن الرأي الشرعي ليس تحصيل حاصل يُطلب بعد أن تُغلق النوافذ وتُصاغ المواد في الغرف المغلقة.
الهجوم على الإمام الأكبر
لقد عرى الهجوم على موقف الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، تلك الأصوات التي تضيق ذرعًا بالاستقلالية. فالإمام الذي يوجه دائمًا بالتيسير في قضايا الأسرة بما يحقق استقرارها، لا يتحرك بوازع الانغلاق، بل بوازع المسؤولية أمام التاريخ وأمام ضمير الأمة.
إن من يهاجمون الأزهر اليوم يعيشون في جزر معزولة عن نبض الشارع المصري، الذي يرى في هذه المؤسسة حائط الصد الأخير لحماية هويته وقيمه من أفكار مستوردة أو صياغات متعجلة. فالتشريع في مسائل لها علاقة بالشريعة الإسلامية ليس نزهة، وقانون الأحوال الشخصية ليس مجرد نصوص قانونية جافة تُناقش في دورة برلمانية مكتظة بإقرار الموازنة العامة للدولة، بل هو دستور البيوت المصرية وعصب استقرارها.
والذين أرادوا تحويل بيان الأزهر إلى معركة سياسية لتصفية حسابات قديمة مع استقلال المؤسسة الدينية واهمون. لقد أثبت الأزهر، ببيانه الحاسم، أنه لا يمكن تجاوزه أو وضعه تحت الأمر الواقع. والمصلحة الوطنية والتشريعية تقتضي اليوم وبلا مكابرة إشراك هيئة كبار العلماء بشكل حقيقي وشفاف، حتى يخرج القانون معبرًا عن المقاصد الحقيقية للشريعة، ومستجيبًا لإشكاليات المحاكم، ومتمتعًا بالقبول الشعبي الذي يحميه من الطعن أو الاهتزاز. أما المهاجمون، فستطويهم الأيام، ويبقى الأزهر، كما كان دائمًا، عمود الخيمة في وعي الأمة ووجدانها.



