تشهد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية جدلاً متصاعداً بعد تسريب تقرير استخباراتي أثار عاصفة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والأمنية في واشنطن وتل أبيب.
تفاصيل التسريب
وفقاً لما نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، فإن الوثيقة المسربة التي وصلت إلى شبكة NBC تفيد بأن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA) رفعت مستوى التهديد التجسسي المنسوب إلى إسرائيل إلى أعلى درجة "حرجة"، وهو ما اعتبرته الصحيفة تطوراً غير اعتيادي يتجاوز كونه حادثة أمنية روتينية.
وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل، منذ قضية جوناثان بولارد الشهيرة في ثمانينيات القرن الماضي، حرصت بشدة على تجنب أي أنشطة تجسس داخل الولايات المتحدة أو مراقبة المسؤولين الأمريكيين، الأمر الذي يجعل الاتهامات الجديدة مثيرة للشكوك، خاصة أن الوثيقة المسربة لا تتضمن أدلة جنائية أو نتائج ملموسة تثبت وقوع اختراقات فعلية، بل تستند إلى ما وصفته بـ"المخاوف" فقط.
تساؤلات حول التوقيت
ويرى التقرير أن غياب الأدلة يطرح تساؤلات حول الجهة التي تقف خلف التسريب، وما إذا كانت الوثيقة تمثل "لغماً سياسياً" أو رسالة متعمدة من أطراف داخل المؤسسة الاستخباراتية الأمريكية. وبحسب التقرير، تتزايد علامات الاستفهام بالنظر إلى توقيت التسريب، الذي جاء بالتزامن مع مناقشة الكونغرس للمادة 224 ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) للعام المالي 2027، وهي مادة تعتبرها الصحيفة مبادرة استراتيجية تهدف إلى توسيع التعاون العسكري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتنص المادة على تعزيز التنسيق المشترك في مجالات الدفاع ضد الطائرات المسيرة، والدفاع الصاروخي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، كما تلزم وزارة الدفاع الأمريكية بتعيين مسؤول رفيع المستوى للإشراف على هذا التعاون بهدف الحفاظ على التفوق العسكري النوعي للجانبين.
معارضة البند
وبحسب الصحيفة، فإن التيار الانفصالي داخل الولايات المتحدة يعارض هذا البند بشدة، مدعياً أنه يفتح المجال أمام نفوذ إسرائيلي أوسع داخل المنظومة العسكرية الأمريكية ويتيح وصولاً أكبر إلى البيانات الحساسة. ومن هنا، ترى الصحيفة أن التسريب جاء في توقيت يخدم معارضي التشريع من خلال تصوير إسرائيل كـ"تهديد تجسسي خطير"، ما قد يدفع أعضاء الكونغرس إلى إعادة النظر في تعميق التعاون معها.
جدل سابق
ولإكمال الصورة، أعادت الصحيفة التذكير بالجدل الذي أثاره جو كينت، الرئيس السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب والمعين من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما وجه انتقادات حادة لإسرائيل، معتبراً أن إيران لا تشكل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، ومتهماً إسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة لها بمحاولة جر واشنطن إلى حرب غير ضرورية.
كما تساءلت الصحيفة عما إذا كانت هذه التوجهات تعكس أيضاً نهج مديرة الاستخبارات الوطنية السابقة تولسي غابارد، التي عرفت بمعارضتها لأي مواجهة عسكرية مع إيران. ورغم إعلانها أن استقالتها جاءت لأسباب شخصية تتعلق بمرض شريكها، فإن تقارير من داخل أروقة السلطة تحدثت عن احتمال إقالتها بسبب خلافات جوهرية في الرؤى السياسية والأمنية.
دور البيروقراطية
وتطرقت الصحيفة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه البنية البيروقراطية داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية، متسائلة ما إذا كانت الجهات التي عملت تحت إشراف غابارد وكينت قد تكون وراء إنتاج وثائق بهدف تعطيل المادة 224 وتقييد هامش الحركة أمام الرئيس الأمريكي.
وترى الصحيفة أن القضية تتجاوز مجرد خلافات داخل المؤسسات الأمنية، إذ تعتبر أن التيار القومي الانعزالي داخل الحزب الجمهوري، والمحيط بترامب، يخوض حملة متعددة الجبهات لإبعاد الولايات المتحدة عن إسرائيل، مستخدماً أدوات سياسية وتشريعية وإعلامية مختلفة.
الملف المسيحي
وفي هذا السياق، لفتت الصحيفة إلى ما وصفته باستغلال الملف المسيحي، خاصة خلال الحملة الانتخابية في لبنان، مشيرة إلى أن ترامب سبق أن تعهد بحماية المسيحيين حول العالم، وهو ما ظهر من خلال قراراته العسكرية ضد جماعة بوكو حرام في أفريقيا تحت شعار حماية المسيحيين.
ومن هذا المنطلق، فسرت الصحيفة الاستقبال غير المعتاد الذي حظي به البطريرك اليوناني في البيت الأبيض، معتبرة أن اللقاء لم يكن بروتوكولياً فحسب، بل جاء في إطار جهود تقودها أطراف تسعى إلى الترويج لروايات تنتقد السياسات الإسرائيلية.
وأشارت إلى أن تصريحات البطريرك ركزت على أوضاع المسيحيين في لبنان وفلسطين وعلى أهمية حماية حرية العبادة وضمان الوصول إلى الأماكن المقدسة باعتبارها ركائز أساسية لاستقرار المنطقة.
خلافات بين القادة
كما ربطت الصحيفة بين هذه الضغوط والخلافات الكلامية التي برزت بين رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استمرار الحملة الانتخابية في لبنان، مؤكدة أن بعض التصرفات المنسوبة لجنود إسرائيليين، بما في ذلك تدنيس رموز دينية مسيحية، إلى جانب حوادث البصق على رجال دين وسياح في القدس المحتلة من قبل متشددين يهود، وفرت مادة تستخدمها دوائر أمريكية للضغط على إسرائيل.
وأضافت أن تصريحات بعض السياسيين الإسرائيليين حول فرض السيطرة على مناطق في جنوب لبنان، بما فيها قرى مسيحية، ساهمت في تعزيز صورة سلبية تستخدم لتصوير إسرائيل على أنها تمارس سياسات إقصائية بحق السكان المحليين.
جهود إسرائيلية
وفي مواجهة هذه التحديات، أشارت الصحيفة إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية كثفت جهودها لمواجهة ما تعتبره حملات تحريضية على مواقع التواصل الاجتماعي، لافتة إلى قرار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تعيين السفير جورج ديك ممثلاً خاصاً للعالم المسيحي في خطوة تهدف إلى تعزيز التواصل مع المجتمعات المسيحية، وخاصة المسيحيين الصهاينة.
خلاصة التحليل
وفي ختام تحليلها، خلصت الصحيفة إلى أن تزامن التسريب الاستخباراتي المثير للجدل مع التقدم في إقرار المادة 224، إضافة إلى الضغوط المتعلقة بالملف المسيحي في لبنان والقدس المحتلة، يشير – بحسب رؤيتها – إلى وجود تحرك منظم تقوده قوى انعزالية داخل الولايات المتحدة بهدف التأثير على الرئيس الأمريكي وإحداث شرخ عميق في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.



