ثاني أكبر صداع في رأس بوتين بعد أوكرانيا: ماذا يحدث في الشيشان؟
ثاني أكبر صداع بوتين بعد أوكرانيا: الشيشان

تمثل الحرب في أوكرانيا والتحديات الاقتصادية المتزايدة أبرز الملفات التي تشغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن تحليلاً نشرته مجلة «فورين بوليسي» رأت فيه أن أزمة أخرى أقل ظهوراً قد تتحول إلى صداع كبير للكرملين خلال الفترة المقبلة، وهي مستقبل السلطة في الشيشان مع تزايد التكهنات بشأن الحالة الصحية لزعيم الجمهورية رمضان قديروف.

أزمة خلافة تلوح في الأفق

تتزايد المخاوف داخل الأوساط الروسية من أن يؤدي غياب قديروف، الذي يحكم الشيشان فعلياً منذ أكثر من عقدين، إلى فتح باب صراع على السلطة في واحدة من أكثر مناطق روسيا حساسية واضطراباً، في وقت تخوض فيه موسكو حرباً طويلة ومكلفة في أوكرانيا وتواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية متزايدة. تنبع المخاوف من أن النظام السياسي والأمني في الشيشان بات مرتبطاً إلى حد كبير بشخص رمضان قديروف وشبكة الولاءات التي بناها حوله منذ توليه السلطة خلفاً لوالده أحمد قديروف عام 2004. ورغم أن قديروف سعى خلال السنوات الأخيرة إلى تمهيد الطريق أمام نجله آدم، الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، عبر منحه مناصب ونفوذاً متزايداً داخل مؤسسات الجمهورية، فإن كثيرين يشككون في قدرة الأخير على إدارة توازنات سياسية وقبلية وأمنية معقدة بمفرده. ويرى محللون أن انتقال السلطة في الشيشان لا يشبه انتقالها في جمهوريات روسية أخرى، إذ لا تزال الاعتبارات العائلية والقبلية وشبكات النفوذ المسلحة تلعب دوراً محورياً في تحديد موازين القوى، ما يجعل أي فراغ في السلطة محفوفاً بالمخاطر.

إرث من الصراعات

تاريخ الشيشان يفسر جانباً كبيراً من القلق الروسي، فقد شهدت الجمهورية حربين دمويتين مع موسكو خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، عندما تمكن الانفصاليون الشيشان لفترة من فرض استقلال فعلي عن روسيا قبل أن تستعيد موسكو السيطرة على المنطقة بالقوة خلال الحرب الشيشانية الثانية. وكان بوتين أحد أبرز المستفيدين سياسياً من تلك الحرب، إذ بنى جزءاً مهماً من صورته داخل روسيا على أساس استعادة السيطرة على الشيشان والقضاء على التمرد المسلح هناك. ولهذا السبب، فإن أي اضطرابات واسعة النطاق في الجمهورية اليوم قد تُنظر إليها باعتبارها انتكاسة لأحد أهم الإنجازات التي ارتبطت بصعود بوتين إلى السلطة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

حكم قائم على القبضة الأمنية

خلال سنوات حكمه، رسخ قديروف نموذجاً خاصاً للحكم يقوم على قبضة أمنية قوية وولاءات شخصية مباشرة، مستفيداً من دعم مالي وسياسي كبير من موسكو. كما أسس أجهزة أمنية وقوات محلية كبيرة تدين بالولاء له شخصياً، وهو ما منح «الشيشان» وضعاً استثنائياً داخل الاتحاد الروسي مقارنة ببقية الأقاليم. لكن هذا النموذج نفسه قد يتحول إلى مصدر قلق في حال غياب الرجل الذي يدير تلك الشبكة المعقدة من العلاقات والولاءات، خاصة مع وجود خصوم تاريخيين وعائلات نافذة وشخصيات معارضة تعيش في الخارج وتنتظر أي فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي داخل الجمهورية.

ارتباط بالحرب في أوكرانيا

تزداد حساسية الملف بالنسبة للكرملين بسبب ارتباطه بالحرب في أوكرانيا، فاندلاع اضطرابات أو صراع داخلي في الشيشان قد يجبر موسكو على تحويل جزء من مواردها العسكرية والأمنية بعيداً عن الجبهة الأوكرانية. كما أن كييف تنظر إلى أي توتر محتمل في شمال القوقاز باعتباره فرصة لإضعاف روسيا واستنزاف قدراتها، خاصة أن السلطات الأوكرانية اتخذت خلال السنوات الأخيرة خطوات سياسية داعمة لفكرة استقلال الشيشان عن روسيا. ويشير مراقبون إلى أن فتح جبهة جديدة داخل الأراضي الروسية في وقت تستمر فيه الحرب الأوكرانية قد يضع موسكو أمام تحديات معقدة يصعب التعامل معها بالتوازي.

استعدادات لما بعد قديروف

في المقابل، يبدو أن قديروف نفسه يدرك حساسية المرحلة المقبلة، فقد عمل خلال السنوات الأخيرة على تعزيز مواقع أبنائه وأفراد عائلته داخل مؤسسات الحكم، كما وسع شبكة علاقاته الإقليمية والدولية. ورغم أن الكرملين لم يُظهر علنياً قلقاً بشأن مستقبل الحكم في الشيشان، فإن خبراء يرون أن موسكو تدرك جيداً حجم المخاطر التي قد تترتب على أي انتقال غير منظم للسلطة هناك. فبعد أكثر من عشرين عاماً من الاعتماد على قديروف لضمان الاستقرار في الجمهورية، يواجه بوتين احتمال التعامل مع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً داخل الاتحاد الروسي، في لحظة تشهد فيها البلاد ضغوطاً عسكرية واقتصادية غير مسبوقة.