في شوارع باريس التي تتقاطع فيها ذاكرة الثورة مع صخب الجمهورية الخامسة، يبرز اسم النائبة الفرنسية اليهودية الصهيونية كارولين يادان كصدى صاخب لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. تدفعها انحيازات عمياء نحو تبني الرواية الإسرائيلية وتهميش السردية الفلسطينية، في مشهد تتحطم على عتباته كل الحدود الفاصلة بين سلطة القانون ونداء الضمير الإنساني.
مسيرة سياسية صهيونية
لم تدخل يادان، المنتمية إلى حزب "معا من أجل الجمهورية" ضمن التحالف الرئاسي، إلى مجلس النواب الفرنسي (الجمعية الوطنية) كوجه عابر، بل كصوت فاعل يعبر عن رؤية صهيونية صريحة. ترفع سيف "معاداة السامية" في مواجهة المدافعين عن الحق الفلسطيني والضمير الإنساني، وتستخدمه ضد الباحثين عن حرية التعبير في مواجهة ما تصفه بـ"آلة القتل" الصهيونية.
انتُخبت يادان لأول مرة نائبة عن الدائرة الثالثة لباريس في يوليو 2022، ثم أعيد انتخابها في الانتخابات التشريعية لعام 2024 لتمثيل الدائرة الثامنة للفرنسيين المقيمين في الخارج، والتي تشمل إسرائيل وإيطاليا واليونان وتركيا. شغلت منصب نائبة رئيس مجموعة الدراسات المعنية بمكافحة معاداة السامية، وسكرتيرة عامة لمجموعة الصداقة الفرنسية الإسرائيلية في البرلمان، وتعرف بمواقفها الرافضة لحملات مقاطعة المنتجات والشركات الإسرائيلية.
قانون يادان العنصري
في أواخر عام 2024، قدمت يادان مقترح قانون عنصري عُرف إعلاميا باسم "قانون يادان"، بهدف التصدي لما زعمت أنها "أشكال متجددة من معاداة السامية". أُقر المقترح في لجنة القوانين بالجمعية الوطنية مطلع عام 2026، متضمنا بنودا تجرم الدعوة إلى تدمير إسرائيل وتشبيهها بالنظام النازي. أثار المشروع نقاشات حادة داخل الأوساط السياسية والحقوقية في فرنسا، باعتباره خطوة تستهدف توسيع دائرة المساس بحرية التعبير، بما في ذلك المواقف المنتقدة للسياسات الإسرائيلية. في النهاية، اضطرت كتلة حزب النهضة (الكتلة البرلمانية للحزب الوسطي الذي أسسه الرئيس إيمانويل ماكرون) إلى سحب المشروع، انتظارا لتقديم مشروع قانون معدل في يونيو القادم.
هدية يادان لنتنياهو
بحسب تقارير إعلامية، قدمت يادان مشروع القانون كهدية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية بتهم جرائم حرب في غزة، بهدف ترهيب الأصوات المعارضة لسياسات إسرائيل في فرنسا. قالت: "كل من يريد أن يصبح فرنسيا، عليه أن يوقع على إعلان يعترف بدولة إسرائيل".
خلفية يادان
ولدت يادان في 14 أغسطس 1964 في بلدة بولوني-بيانكور لأسرة يهودية فرنسية من أصول تونسية وبولندية. تقع البلدة شمال فرنسا، وتضم حضورا يهوديا بارزا ضمن محيط باريس، حيث يقدر عدد اليهود فيها بين 12 و15 ألف شخص، أي نحو 10% من إجمالي السكان، مما يجعلها من أكبر التجمعات اليهودية في المنطقة الباريسية. حصلت يادان على شهادتها الجامعية في القانون من جامعة سوربون الأولى، واعتادت استغلال موقعها البرلماني لخدمة المصالح الإسرائيلية، قائلة: "لطالما حاربت معاداة السامية، ولكن منذ أحداث 7 أكتوبر 2023 وتصاعدها، أركز جهودي بشكل كبير على استئصالها؛ الأمر قضية شخصية بالنسبة لي، ومن المهم إخماد نيران الكراهية المشتعلة في بعض أوساط المجتمع الفرنسي". تشدد على أنها تبذل قصارى جهدها لتظهر للرأي العام الفرنسي ما تصفه بـ"الجوانب الإيجابية لإسرائيل، وتعزيز الحضور الإسرائيلي في النقاش العام".
رفض قانوني وشعبي
لا تخفي يادان مواقفها الداعمة لإسرائيل، في مقابل التشدد تجاه الأصوات المؤيدة للحق الفلسطيني. دفعت، بحسب منتقدين، نحو توسيع نطاق جريمة "تمجيد الإرهاب" لتشمل مفاهيم مثل "التحريض غير المباشر" و"الدعوة إلى تدمير دولة أو إنكارها". أثارت هذه التوجهات جدلا قانونيا واسعا، حيث حذر القاضي السابق المتخصص في قضايا الإرهاب مارك تريفيديك من أن مثل هذه الصياغات قد تفتح الباب أمام قدر كبير من التأويل والتعسف، وكأنها محاكمة للشخص على أفكار لم يصرح بها علنا.
على صعيد الرفض الشعبي، جمعت عريضة معارضة لمشروع القانون نشرها موقع الجمعية الوطنية عددا قياسيا بلغ 700 ألف توقيع. حذرت هيئات حقوقية من المسار غير الليبرالي الذي ينطوي عليه "قانون يادان". رأت "رابطة حقوق الإنسان" الفرنسية أن نص القانون يثير مخاوف من كونه محاولة لحماية إسرائيل من النقد المرتبط بانتهاكاتها الجسيمة والمتكررة للقانون الدولي. كما أعرب خمسة مقررين خاصين في الأمم المتحدة، في رسالة مفتوحة، عن قلقهم من أن المشروع يهدد "ممارسة الحقوق المحمية، وخاصة حرية التعبير والرأي، بما في ذلك حرية الإعلام"، وفقا لجريدة "ذا جارديان" البريطانية.
مواقف عنصرية مستمرة
في إطار دعمها المتواصل لإسرائيل، قادت يادان احتجاجا ضد دعوات مقاطعة الشركات الإسرائيلية خلال معرض "يوروساتوري"، أحد أكبر المعارض الدولية المتخصصة في مجالي الدفاع والأمن البري والجوي، معتبرة أن المقاطعة غير قانونية. حضرت المعرض رافعة الأعلام الإسرائيلية، في خطوة عكست موقفها العلني من حملات المقاطعة، في وقت تسارعت فيه آلة القتل الإسرائيلية جراء حرب الإبادة على غزة.
تنقل جريدة "إسرائيل اليوم" عن يادان تعليقها على توتر العلاقات الفرنسية الإسرائيلية جراء حرب الإبادة على غزة، قائلة: "العلاقات الفرنسية الإسرائيلية متينة منذ عقود وستبقى كذلك. شاركت فرنسا في الدفاع عن إسرائيل خلال الهجوم الصاروخي الإيراني والطائرات المسيرة عليها. ولا شك أن العلاقات بين الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يمكن أن تكون أفضل؛ ويجب على فرنسا أن تتفهم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
يقول النشيد الوطني الفرنسي: "انهضوا يا أبناء الوطن.. فقد دقت ساعة المجد.. بعد أن رفعت في وجهنا رايات الاستبداد المدممة"؛ كلمات تستدعي في الذاكرة معنى الحرية ورفض الاستبداد، لكنها بالنسبة لشخصيات مثل يادان مجرد نصوص عابرة بحثا عن خدمة سادتها "المتعطشين للدم" في تل أبيب.



