قمة بكين: ترامب وشي يناقشان الردع النووي والتجارة لتجنب تدمير البشرية
قمة بكين: ترامب وشي يناقشان الردع النووي والتجارة

في مقابلة مطولة مع مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، قبل ستة أشهر فقط من وفاته قبل ثلاثة أعوام، سئل هنري كيسنجر، ثعلب السياسة الأمريكية، عن احتمال عقد قمة بين الرئيسين الأمريكي والصيني، فأجاب: "إذا اجتمع الرئيسان، فبدلاً من تعداد كل مظالمهما المعروفة، آمل أن يقول الرئيس الأمريكي: سيدي الرئيس، إن أكبر خطرين على السلام اليوم هما نحن الاثنان، لأن لدينا القدرة على تدمير البشرية، وأعتقد أنه ينبغي أن نتفق على محاولة تجنب مثل هذا الوضع".

فهل يمكن أن تنتهي قمة بكين، التي تجمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج، بالإعلان عن مجرد اتفاقيات تجارية وأحاديث كلاسيكية فضفاضة عن التنسيق والعمل المشترك؟ هذا السؤال حاول تقرير نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية الإجابة عنه.

اجتماع استراتيجي بين زعيمي القوتين العظميين

يقول التقرير: إن اجتماعاً مباشراً يمتد لساعات بين زعيمي أقوى دولتين على وجه الأرض، يتحدثان فيه بصراحة وخصوصية عن أهم قضايا الأجندة الدولية، بما يشمل الحرب والسلام، والتجارة، والرسوم الجمركية، وسلاسل التوريد، والذكاء الاصطناعي، وغير ذلك، لا يمكن أن يكون عديم الأهمية؛ حيث يدرك الزعيمان أن بلديهما عالقان في منافسة كلاسيكية، حيث تهدد الصين الصاعدة بسرعة بإزاحة الولايات المتحدة العملاقة المهيمنة عن قمة كل هرم للقوة. وكلاهما يعلم أن مثل هذه المنافسات تنتهي عادة بحروب كارثية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

لماذا يعامل ترامب شي جين بينج بشكل مختلف؟

يضيف التقرير: لحسن الحظ، يدرك كل من ترامب وشي الحقيقة الأساسية التي صاغها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في عبارته الشهيرة: "لا يمكن كسب حرب نووية، ولذلك يجب ألا تخاض أبداً". وقد وصف الرئيس شي الأسلحة النووية بأنها سيف معلق فوق البشرية، بينما كرر ترامب مراراً أن "أكبر مشكلة في العالم هي التسلح النووي والأسلحة النووية".

ويتابع: يصعب تجاهل الفارق بين طريقة تعامل ترامب مع الرئيس الصيني، وبين أسلوبه مع معظم قادة العالم الآخرين. حيث يدرك ترامب أن الصين هي المنافس الندي الحقيقي للولايات المتحدة. فهي دولة متشابكة اقتصادياً مع واشنطن إلى درجة تجعل كل طرف قادراً على إلحاق أضرار جسيمة بالآخر، بما يعني أن الحرب الاقتصادية لا يمكن كسبها. كما يرى ترامب عبر المحيط الهادئ اقتصاداً ضخماً يعاني مشكلة استهلاك منخفضة هائلة، ما يفتح الباب أمام أسواق وأرباح ضخمة للشركات الأمريكية إذا جرى التعامل مع الأمر بشكل صحيح.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

لماذا يتراجع ترامب دائماً في مواجهاته مع شي؟

صار تعبير "ترامب يتراجع دائماً"، والذي صاغته جريدة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، المصطلح الأمثل لوصف سلوك ترامب في مواجهاته مع شي. وكان المثال الأبرز في الربيع الماضي، عندما حاول ترامب الضغط على الصين عبر التلويح بعصاه السحرية المتمثلة في الرسوم الجمركية. وقد أدت سلسلة من التصعيدات المتبادلة إلى فرض الولايات المتحدة رسوماً بنسبة 145% على السلع الصينية، وهو ما وصفه وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت بأنه "حظر تجاري". فلماذا تراجع ترامب بعد ذلك عنه بسرعة وبشكل واضح؟

يقول التقرير: يرجع الأمر إلى أن الصين ردت بخنق سلاسل توريد مواد حيوية، من بينها المعادن الأرضية النادرة اللازمة لتصنيع منتجات أمريكية محلية تتراوح من السيارات وحتى المقاتلات العسكرية، وأنظمة الدفاع الأمريكية مثل منظومة باتريوت.

هل يتعامل ترامب بمرونة مفرطة مع الصين؟

تحذر وسائل الإعلام الأمريكية -سواء كانت يمينية أو يسارية- من أن ترامب أصبح "مهادناً" أو "مفرطاً في تقديم التنازلات" في تعامله مع بكين. ويقول التقرير: فما الذي يعرفه ترامب ولا يعرفه هؤلاء؟ سيقول ترامب إنه ورث موقفاً ضعيفاً، خاصة فيما يتعلق بهشاشة سلاسل التوريد؛ وإن شي يعرف أن ترامب يعرف ذلك؛ وإن ترامب يعرف أن شي يعرف أنه يعرف. ونتيجة لذلك، فإن الاقتصادين الأمريكي والصيني سيظلان متشابكين.

ويضيف: تمتلك الدولتان ترسانات نووية قادرة على تحمل الضربة الأولى من الطرف الآخر والرد بطريقة تدمر المهاجم؛ وشعور كلا الطرفين بالقدرة على إلحاق أضرار هائلة ببعضهما البعض، يمنعهما من خوض حرب اقتصادية من الأساس.

هل يمتلك ترامب استراتيجية متماسكة تجاه الصين؟

يقول التقرير: عند مراجعة ما قاله ترامب وفعله منذ حملته الانتخابية عام 2024، ليس من الصعب الإجابة بأن لدى ترامب استراتيجية متماسكة تجاه الصين؛ فقد أوضح ترامب خلال الحملة أنه ليس من "صقور الصين"، وأنه "يعجب" بالصين، وأنه "يحب الصين"، وأنه "معجب بالرئيس الصيني". بل إن الرئيس ترامب حاول فعلياً إقناع الرئيس شي بالحضور كضيف شرف خاص إلى حفل تنصيبه. وعندما لم ينجح ذلك، اقترح عقد لقاء مبكر يسافر فيه إلى بكين، على أن يرد شي الزيارة إلى الولايات المتحدة لاحقاً خلال العام، بحسب "ذا ناشيونال إنترست".

ويتابع: بينما واصلت بعض مؤسسات الحكومة الأمريكية اتخاذ خطوات تعاقب الصين أو تضعها في موقف غير موات في بعض المجالات، مارس البيت الأبيض بقيادة ترامب انضباطاً أكبر في كبح هذه الإجراءات مقارنة بأي ملف آخر. فعلى سبيل المثال، ورغم أن البعض يشير إلى توقيع ترامب على أكبر حزمة تسليح لتايوان في التاريخ، فإنه قال عندما سئل هذا الأسبوع عن مبيعات السلاح الأمريكية إلى تايوان: "سأناقش ذلك مع الرئيس شي. الرئيس شي يفضل ألا نفعل ذلك، وسأناقش معه الأمر. هذا واحد من أشياء كثيرة سنتحدث عنها".

ما المقصود بـ"الدبلوماسية التجارية"؟

يقول تقرير "ذا ناشيونال إنترست": إن النظر إلى العلاقات الأمريكية الصينية من منظور الأعمال يعني تحليل العلاقة بين البلدين كما لو كانت علاقة بين شركتين تمثلان في الوقت نفسه خصمين شرسين وشريكين ودودين. فكلاهما مضطر بحكم الظروف إلى إيجاد طرق للتنافس والتعاون في آن واحد. وفي أحدث تصريحاته، استحضر شي صورة سفينة يقودها بشكل مشترك كل من الولايات المتحدة والصين، قائلاً لترامب: "في العام الجديد، آمل أن أعمل معكم لتوجيه السفينة العملاقة للعلاقات الصينية الأمريكية بثبات وسط الرياح والعواصف، وتحقيق المزيد من الأمور الكبرى والجيدة". كما قدم الرئيس ترامب بدوره عدة تصورات لمفهوم جديد، بدأها بتكرار قوله إن "الولايات المتحدة والصين إذا عملتا معاً يمكنهما حل أي مشكلة تقريباً"، مضيفاً: إنه شديد التنافس، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصين والولايات المتحدة. نحن نراقبهم دائماً، وهم يراقبوننا دائماً. وفي الوقت نفسه، أعتقد أننا نتفاهم جيداً، وأعتقد أننا نستطيع أن نصبح أكبر وأفضل وأقوى من خلال العمل معهم بدلاً من مجرد محاولة إسقاطهم.