رغم الخسائر العسكرية الكبيرة التي تكبدتها إيران خلال الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يرى محللون أن الصراع كشف عن واقع أكثر تعقيدًا من مجرد حسابات الربح والخسارة العسكرية، إذ أظهرت المواجهة أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية.
تفوق عسكري أمريكي دون أهداف سياسية
وبحسب تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، شملت منشآت للصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة دفاعية وبنية تحتية عسكرية أخرى، إلا أن هذه الضربات لم تؤد إلى تحقيق أهداف أوسع كانت مطروحة منذ بداية الحرب، مثل تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي بصورة حاسمة أو دفع طهران إلى قبول ترتيبات سياسية وأمنية جديدة بشروط واشنطن.
إيران تتحول إلى أدوات ضغط غير تقليدية
يرى التحليل أن إيران استخلصت سريعًا دروس المواجهة، وانتقلت من التركيز على المواجهة العسكرية المباشرة إلى استخدام أدوات ضغط غير تقليدية وأكثر استدامة، فبدلًا من خوض معارك مكلفة مع القوات الأمريكية، باتت طهران تعتمد بصورة أكبر على تهديد خطوط الملاحة البحرية، واستخدام الطائرات المسيّرة، وتعطيل سلاسل الإمداد، ورفع تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط استراتيجية
وفي هذا السياق، برز مضيق هرمز باعتباره العنوان الأبرز للصراع، فالممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران. يشير التحليل إلى أن أهمية المضيق في المرحلة الحالية قد تتجاوز أهمية الملف النووي نفسه، لأن أي اضطراب في حركة الملاحة أو صادرات الطاقة ينعكس فورًا على الأسواق العالمية وأسعار النفط والتضخم في مختلف دول العالم.
تحديات أمريكية في تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية
كما أظهرت الحرب، وفقًا للتحليل، أن الولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربات واسعة النطاق وتحقيق تفوق عسكري واضح، لكنها تواجه تحديات متزايدة في تحويل هذا التفوق إلى نتائج سياسية طويلة الأمد، فقد استنزفت العمليات العسكرية كميات كبيرة من الذخائر والصواريخ المتطورة ومنظومات الدفاع الجوي، ما أثار نقاشًا داخل الأوساط الأمريكية بشأن تكلفة المواجهات الممتدة في الشرق الأوسط وتأثيرها على الاستعدادات العسكرية في مناطق أخرى من العالم.
تداعيات الحرب على حلفاء الخليج
لم تقتصر تداعيات الحرب على طرفي الصراع فقط، بل امتدت إلى حلفاء واشنطن في الخليج، فقد أظهرت التطورات أن أي تصعيد في مضيق هرمز أو استهداف للبنية التحتية للطاقة يمكن أن ينعكس مباشرة على اقتصادات المنطقة والعالم، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم حساباتها الأمنية وسبل حماية مصالحها الحيوية.
حدود القوة العسكرية التقليدية
يرى أصحاب التحليل أن النتيجة الأبرز للحرب تتمثل في أنها كشفت حدود القوة العسكرية التقليدية في حسم الصراعات المعقدة، فبينما خرجت إيران بخسائر عسكرية كبيرة، فإنها احتفظت بأدوات ضغط قادرة على التأثير في التجارة العالمية وأمن الطاقة، وفي المقابل، أثبتت الولايات المتحدة أنها ما تزال القوة العسكرية الأبرز في المنطقة، لكنها لم تتمكن من فرض تسوية سياسية نهائية أو إنهاء مصادر النفوذ الإيراني بشكل كامل.
مرحلة جديدة من التنافس
ولم تنه الحرب التنافس بين واشنطن وطهران، بل نقلته إلى مرحلة جديدة، قد يكون عنوانها الرئيسي خلال السنوات المقبلة ليس البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل أيضًا السيطرة على طرق التجارة والطاقة في الخليج، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي بات يُنظر إليه باعتباره أحد أهم مفاتيح القوة والنفوذ في الشرق الأوسط.



