قمة مصرية كونغولية تعزز النفوذ الإفريقي وتفتح آفاق الاستثمار
قمة مصرية كونغولية لتعزيز النفوذ الإفريقي والاستثمار

في إطار التحركات المصرية الهادفة إلى تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية وترسيخ علاقات التعاون مع دول حوض النيل، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الأربعاء، فيليكس تشيسيكيدي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، في زيارة رسمية تعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين وحرص الجانبين على دفع مسارات التعاون المشترك إلى مستويات أكثر تقدماً.

الرئيس السيسي يستقبل رئيس الكونغو

من المقرر أن يعقد الرئيسان جلسة مباحثات ثنائية موسعة تتناول مختلف ملفات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي، إلى جانب التشاور بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، في ظل التحديات التي تشهدها القارة الإفريقية والمنطقة. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ضوء الدور المتنامي الذي تلعبه مصر داخل القارة الإفريقية، وسعيها إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الدول الشقيقة بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة ودعم الاستقرار الإقليمي.

تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري

تتصدر الملفات الاقتصادية جدول أعمال المباحثات، حيث يبحث الجانبان سبل زيادة حجم التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المشتركة، فضلاً عن استكشاف فرص جديدة للتعاون في قطاعات الصناعة والزراعة والتعدين والخدمات اللوجستية. كما يناقش الوفدان آليات دعم القطاع الخاص في البلدين وتذليل العقبات أمام حركة التجارة والاستثمار، بما يفتح المجال أمام تنفيذ مشروعات مشتركة تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الطاقة والبنية التحتية في صدارة الاهتمام

من المتوقع أن تشهد المباحثات التركيز على ملفات الطاقة والبنية التحتية باعتبارها من أبرز مجالات التعاون الواعدة بين القاهرة وكينشاسا، خاصة في ظل الخبرات المصرية المتراكمة في تنفيذ مشروعات الكهرباء والطرق والإسكان والمرافق. كما يبحث الجانبان إمكانية إطلاق مبادرات جديدة في مجالات الربط الإقليمي والتنمية المستدامة، بما يدعم جهود التكامل الإفريقي ويعزز الاستفادة من الموارد والإمكانات المتاحة لدى البلدين.

شراكة إفريقية تتطلع للمستقبل

تأتي الزيارة في وقت تتزايد فيه أهمية التعاون بين الدول الإفريقية لمواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية، حيث يسعى البلدان إلى بناء شراكة أكثر قوة ترتكز على المصالح المشتركة والتنسيق المستمر في القضايا القارية. وتعكس المباحثات المرتقبة حرص القاهرة وكينشاسا على تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، بما يحقق تطلعات الشعبين ويدعم جهود التنمية والاستقرار في القارة الإفريقية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

آراء الخبراء حول الزيارة

البعد السياسي

قال الدكتور سعيد الزغبي، أستاذ العلوم السياسية، إن التحركات المصرية تجاه الكونغو تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، إذ تعكس حرص القاهرة على تعزيز حضورها داخل العمق الإفريقي خاصة في منطقة البحيرات العظمى وحوض النيل. وأضاف الزغبي: "الكونغو الديمقراطية تمثل دولة محورية سياسياً واقتصادياً وأمنياً داخل القارة، كما أنها شريك مهم في ملفات المياه والتنمية والاستقرار الإقليمي. وتشير المباحثات بين الجانبين إلى رغبة مشتركة في توسيع التعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والاستثمار، إلى جانب تنسيق المواقف بشأن القضايا الإفريقية الملحة".

وأشار الزغبي إلى أن هذه الزيارة تؤكد سياسياً أن مصر تواصل انتهاج سياسة الانفتاح على إفريقيا وبناء شراكات استراتيجية طويلة المدى، مما يعزز من قدرتها على التأثير في القضايا الإقليمية خصوصاً ملفات الأمن والاستقرار في منطقة وسط إفريقيا وقضايا حوض النيل. وتابع: "تعكس الزيارة إدراكاً متبادلاً لأهمية العمل الإفريقي المشترك في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها القارة". واختتم: "زيارة السيسي للكونغو ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل رسالة تؤكد أن القاهرة تنظر إلى إفريقيا باعتبارها دائرة استراتيجية للأمن القومي المصري، وتسعى إلى تحويل العلاقات السياسية إلى شراكات تنموية واقتصادية تعزز الاستقرار والتكامل داخل القارة الإفريقية".

البعد الاقتصادي

من جانبه، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن العلاقات الاقتصادية بين مصر وجمهورية الكونغو الديمقراطية تمثل نموذجاً للشراكة الاستراتيجية داخل القارة الإفريقية، وتكتسب اللقاءات الرئاسية والزيارات المتبادلة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي أهمية اقتصادية بالغة لكلا البلدين. وأضاف الشافعي: "من المميزات الاقتصادية لهذه الزيارة فتح أسواق جديدة للشركات المصرية بقطاع المقاولات والبنية التحتية. وتعتبر الكونغو الديمقراطية سوقاً واعداً وضخماً لمشروعات البنية التحتية، وتساهم الزيارات الرئاسية في تعزيز نفوذ الشركات المصرية (مثل المقاولون العرب والسويدي إلكتريك) للفوز بمشروعات كبرى هناك، مثل بناء الطرق والكباري والمستشفيات، ومشروعات الطاقة والمياه، حيث تمتلك مصر خبرة رائدة يمكن نقلها لكينشاسا".

وتابع: "التعاون في مجال الطاقة والموارد المائية، حيث تتمتع الكونغو بموارد مائية هائلة (نهر الكونغو)، يفتح التنسيق المشترك الباب أمام استثمارات ضخمة في مجال توليد الطاقة الكهرومائية (مثل مشروع سد "إنجا" العملاق)، وهو ما يمثل فرصة للشركات المصرية المتخصصة في شبكات الربط الكهربائي والطاقة المتجددة لتوسيع أعمالها". وأكمل: "في قطاع التعدين والثروات الطبيعية، تعد الكونغو الديمقراطية واحدة من أغنى دول العالم بالمعادن الاستراتيجية (مثل الكوبالت، النحاس، والألماس)، والتي تمثل ركيزة أساسية في التحول الاقتصادي العالمي والصناعات التكنولوجية. يتيح التقارب الاقتصادي للمستثمرين المصريين فرصة الدخول في شراكات تعدينية وتأمين سلاسل الإمداد لبعض الصناعات المصرية". واختتم: "التبادل التجاري، حيث تساهم اللقاءات المشتركة في تذليل العقبات الجمركية واللوجستية لزيادة الصادرات المصرية من مواد البناء والكيماويات والأدوية إلى السوق الكونغولي. وبما أن الدولتين عضوان في تجمع "الكوميسا" (سوق شرق وجنوب أفريقيا المشتركة)، فإن الزيارات تدفع نحو تفعيل أكبر للاتفاقيات التجارية التفضيلية، مما يمنح المنسوجات والسلع المصرية ميزة تنافسية كبيرة هناك".

التبادل التجاري بين مصر والكونغو الديمقراطية

على الصعيد الاقتصادي، تشهد العلاقات التجارية بين مصر والكونغو الديمقراطية نمواً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بزيادة الاهتمام بتعزيز التعاون الاقتصادي وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات المصرية. ووفق بيانات رسمية سابقة، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 65 مليون دولار، منها صادرات مصرية بقيمة 35 مليون دولار، مقابل واردات من الكونغو الديمقراطية بلغت نحو 30 مليون دولار. وتتنوع الصادرات المصرية لتشمل السيارات والمنتجات الغذائية والعصائر والمواد المصنعة، فيما تستورد مصر من الكونغو الديمقراطية مواد خام أبرزها النحاس والزنك والأخشاب. وتؤكد الزيارة الحالية للرئيس الكونغولي إلى القاهرة تطلع الجانبين إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري خلال السنوات المقبلة، بما يعكس الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي يمتلكها البلدان داخل القارة الإفريقية.