في مثل هذا اليوم من عام 1967، خطفت القاهرة أنظار العواصم الكبرى وأحدثت هزة عنيفة في أروقة أجهزة المخابرات الدولية، حين وقع الرئيس جمال عبد الناصر والعاهل الأردني الملك حسين بن طلال اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، في تحول استراتيجي حاسم وصادم ومفاجئ، كسر الخريطة السياسية السائدة في المنطقة قبل ستة أيام فقط من اندلاع حرب يونيو 1967.
طبيعة العلاقات الأردنية المصرية: ربع قرن من الحرب الكلامية والقطيعة
تأسست خلفيات هذا التحالف على إرث معقد وضبابي من العلاقات المتوترة بين القاهرة وعمّان منذ ثورة يوليو 1952؛ إذ عاشت العلاقات الأردنية المصرية في عهد عبد الناصر حالة من المد والجزر العنيف الذي وصل إلى حد القطيعة التامة. فبينما كانت القاهرة تقود تيار القومية العربية التي تهاجم النظم الملكية عبر أثير إذاعة صوت العرب، كان الأردن يتمسك بنهجه المحافظ وعلاقاته الوثيقة مع الغرب، مما أدى إلى تصادم المشروعين في محطات عديدة، أبرزها حلف بغداد، وأزمة السويس، وحرب اليمن.
وتعمقت الفجوة بتبادل الاتهامات السياسية القاسية عبر وسائل الإعلام، حيث كان الإعلام المصري يصف عمان بالمهادنة، بينما كانت عمان ترى في سياسات ناصر مغامرة غير محسوبة العواقب تهدد الاستقرار الإقليمي.
شرارة مايو: لماذا اندفعت عمان والقاهرة نحو المعاهدة؟
أما عن أسباب اندلاع الرغبة المفاجئة في توقيع المعاهدة، فقد قادت إليها التطورات الخطيرة في مايو 1967، حيث تصاعدت نبرة التهديدات الإسرائيلية ضد سوريا، وردت مصر بحشد قواتها في سيناء وإغلاق مضايق تيران، مما جعل الحرب مسألة وقت لا غير. ووجد الملك حسين نفسه في موقف أمني بالغ الخطورة؛ فمن جهة كان يخشى أن تقف بلاده معزولة في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، ومن جهة أخرى، كان يدرك أن بقاء الأردن محايدًا في حرب قومية سيؤدي إلى انفجار الشارع الأردني والفلسطيني ضد العرش.
وفي المقابل، كان عبد الناصر يحتاج إلى تأمين الجبهة الشرقية وإحكام الحصار العسكري حول إسرائيل؛ مما دفع الطرفين لتجاوز رواسب الماضي والتقاء المصالح في لحظة فارقة لحماية الأمن القومي العربي.
نتائج المعاهدة التي غيرت مسار النكسة
كواليس يوم الثلاثين من مايو تجسدت في وصول الملك حسين المفاجئ بطائرته الخاصة التي يقودها بنفسه إلى مطار ألماظة العسكري، دون ترتيبات بروتوكولية مسبقة، ليتوجه فورًا إلى قصر القبة حيث عقد مع عبد الناصر اجتماعًا مغلقًا لم يستمر سوى ست ساعات تم فيه وضع الخطوط العريضة للمعاهدة وتوقيعها.
وترتب على هذه الاتفاقية نتائج ميدانية فورية قلبت الخطط العسكرية رأسًا على عقب؛ إذ تقرر تعيين الجنرال المصري عبد المنعم رياض قائدًا للجبهة الشرقية، ووصول قوات كوماندوز مصرية ووحدات عراقية إلى الأراضي الأردنية، مما سمح بتنسيق حركات القوات. وهذا التلاحم العسكري أثمر عن خلق قوة ردع حقيقية غيرت حسابات الميدان السياسية، وشكلت نواة صلبة للتضامن العربي ظهرت آثارها لاحقًا في إعادة بناء القوات المسلحة وتنظيم خطوط الدفاع الصامدة التي عرقلت مخططات التوسع الإسرائيلي وحمت العمق العربي في معارك الاستنزاف التالية.



