في يوم صيفي حار ورطب، كانت صالة التحرير شبه خالية من الصحفيين، ولم يحضر إلا عدد من المراجعين اللغويين وفريق الديسك المركزي وبعض المحررين. بعد لحظات، ارتفعت الأصوات: بعضها غاضب، وكثير منها رافض، وقلة استخدمت العقل وسعت لمعرفة السبب الحقيقي وراء قرار الفصل التعسفي الذي صدر بحق زميل أحيل للتحقيق في واقعة صحفية تتعلق بالأداء المهني وقيم النشر.
حوار مع رئيس التحرير
أردت الوقوف على حقيقة الأمر، فدار حوار بيني وبين رئيس التحرير. سألته: لماذا صدر قرار بفصل زميلنا بعد انتهاء التحقيقات؟ كانت الإجابة مقتضبة: زميلكم زور أهم شهادة تؤهله للعمل صحفياً. ظننت أن الإدارة اكتشفت تزوير شهادة التخرج من الجامعة. بهدوء سألت: معقولة زميلنا يزور شهادة تخرجه؟ أجاب: لا، زميلكم زور شهادة التحاقه بالعمل صحفياً. لم أستوعب، ويبدو أن الرجل أدرك ذلك، فاستطرد قائلاً: هل يمكن لشخص لم يتخرج من كلية الطب أن يمارس مهنة الطب؟ قلت: هذه جريمة.
تفاصيل التزوير
قال رئيس التحرير: زميلكم (وليس زميلي) أثبتت التحقيقات معه أنه يكذب. ارتسمت على وجهي علامات استفهام، فاستطرد: لقد تورط زميلكم في نشر أخبار كاذبة مع إدراكه الكامل أنها كاذبة، ونشرها انتقاماً من الوزير بسبب موقف شخصي. لم يتركني رئيس التحرير أتدخل، بل بدأ يشرح وجهة نظره: الصحفي مؤتمن من المجتمع، مسئول مسئولية مباشرة، ومكلف بنقل الحقيقة. وعندما يمعن في نشر أخبار مصطنعة وكاذبة، فإنه بذلك فقد مسوغات التحاقه بمهنة لو شابها الكذب لأصبحت وبالاً على المجتمع وأصحاب رسالة الكلمة.
تدخل النقابة
حاول عدد من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين التدخل، لكن رئيس التحرير لم يقدم إلا وعداً واحداً: أن يحصل المفصول على قرار فصل تعسفي يمكنه استخدامه في المحكمة للحصول على تعويض. والمغزى هو دفع أي مقابل مادي دون عودة المفصول إلى العمل في مهنة الصحافة. انتشرت حادثة الفصل بين الزملاء، وأدرك الجميع أن هناك مسوغات أكثر أهمية من شهادة الجامعة يجب توفرها في الصحفي، فإن فقدها وجب طرده تماماً من المهنة ومنعه من ممارستها، حتى لا يكون عاراً على أصحاب الكلمة وحاملي رسالة الصحافة.
تأملات في يوم الصحفي
تذكرت تفاصيل تلك الواقعة في يوم الصحفي الذي مر علينا أمس، في ظل ظروف فقدنا فيها البوصلة وكثيراً من القيم. نعاني أكثر ما نعاني ليس من الظروف المادية فقط، بل المعاناة الأكبر هي فقدان الكثيرين لمسوغات العمل في مهنة يصبح العامل بها صاحب شهادة، إما شهادة حق أو شهادة زور.



