من مسرح الجريمة إلى مقابر الصدقة.. كيف تكشف الداخلية هوية الجثث المجهولة وتفك ألغاز الجرائم الغامضة؟
تمكنت أجهزة البحث الجنائي بوزارة الداخلية من تحقيق نجاحات بارزة خلال السنوات الأخيرة في كشف العديد من الجرائم الغامضة، خاصة الوقائع المرتبطة بالجثث المجهولة والمشوهة التي يتم العثور عليها داخل ثلاجات مصلحة الطب الشرعي، وذلك عبر منظومة متطورة من التقنيات الحديثة التي أدخلتها وزارة الداخلية لدعم جهود كشف الجرائم الجنائية، بداية من تحديد هوية المجني عليهم وصولًا إلى ضبط مرتكبي الوقائع وتقديمهم للعدالة.
وترصد «فيتو» أبرز الأساليب التي تعتمد عليها أجهزة البحث الجنائي والطب الشرعي في كشف هوية الجثث المجهولة والأشلاء البشرية، ودور فرق البحث في فك ألغاز القضايا المعقدة عبر عمل متواصل يقوم به رجال المباحث الجنائية لكشف الحقيقة.
خطوات توثيق مسرح الجريمة عند العثور على أشلاء بشرية
تعتمد أجهزة البحث الجنائي على عدد من الإجراءات الدقيقة فور تلقي البلاغات الخاصة بالعثور على جثث أو أشلاء في ظروف غامضة، وتشمل:
- سرعة الانتقال إلى موقع البلاغ ومعاينة مسرح الجريمة.
- تصوير الجثة أو الأشلاء من زوايا متعددة قبل تحريكها، مع توثيق الملابس والمتعلقات الشخصية مثل المفاتيح والعملات والأوراق الخاصة بالمجني عليه.
- فحص أي أسماء أو علامات تجارية أو عناوين قد تساعد في تحديد الهوية.
- البحث في محاضر وبلاغات التغيب، مع تعميم صور المجني عليه على مديريات الأمن حال وضوح ملامحه.
- مطابقة أوصاف الجثة من حيث الطول والوزن ولون البشرة والشعر والعمر التقريبي مع بيانات الأشخاص المبلغ باختفائهم.
- مناقشة شهود العيان حول أي تحركات أو أشخاص مشتبه بهم بمحيط العثور على الجثمان.
الطب الشرعي.. حلقة الوصل بين الطب والقانون
يلعب الطب الشرعي دورًا رئيسيًا في تحديد هوية الجثث المجهولة، باعتباره الجهة الفنية المختصة ببيان أسباب الوفاة وتحديد ملابساتها. ويقوم الأطباء الشرعيون من خلال الصفة التشريحية بتحديد سبب الوفاة سواء كانت جنائية أو طبيعية أو ناتجة عن انتحار، فضلًا عن تقدير زمن الوفاة.
وفي حالات الأشلاء أو الهياكل العظمية المتفحمة، يتم فحص العظام والأسنان لتحديد:
- الجنس والعمر التقريبي والطول.
- السمات العرقية والأمراض المحتملة.
- العلامات المميزة مثل الوشوم أو الندبات الجراحية أو العيوب الخلقية.
كما تعتمد مصلحة الطب الشرعي على تحليل البصمة الوراثية (DNA)، باعتباره من أدق الوسائل العلمية، عبر أخذ عينات من العظام أو الأسنان أو الدم ومقارنتها بعينات أقارب المفقودين من الدرجة الأولى. ويشمل الفحص أيضًا مطابقة تركيبات الأسنان والسجلات الطبية السابقة، بالإضافة إلى محاولة رفع البصمات العشرية للجثث ومقارنتها بقاعدة بيانات الأحوال المدنية.
كيف يعيد البحث الجنائي بناء ملامح الجثث المشوهة؟
تستخدم أجهزة البحث الجنائي بقطاع الأمن العام تقنيات حديثة لإعادة بناء ملامح الوجه في القضايا التي تتعرض فيها الجثث للتشويه أو الحرق، ومن أبرزها:
- إعادة تشكيل ملامح الوجه باستخدام الطين أو برامج الحاسوب حال العثور على الجمجمة.
- مطابقة صور الجماجم بصور الأشخاص المبلغ بتغيبهم.
- استخدام تقنيات تحليل النظائر لتحديد البيئة أو المنطقة الجغرافية التي عاش فيها الشخص.
الإجراءات القانونية للتعامل مع الجثث المجهولة
في حال عدم التوصل إلى هوية الجثة أو ذويها، يتم اتباع إجراءات قانونية محددة تبدأ بإيداع الجثمان داخل ثلاجات المشرحة لمدة تتراوح بين 15 و21 يومًا، لإتاحة الفرصة أمام ذوي المفقودين للتعرف عليه. وفي حال عدم التوصل إلى أهليته، تصدر النيابة العامة قرارًا بالدفن في مقابر الصدقة، مع الاحتفاظ بكافة بيانات الجثة داخل سجلات الطب الشرعي، بما يشمل صورها والعلامات المميزة وعينات الـDNA تحت رقم مسلسل، لإعادة فتح الملف حال ظهور أي بلاغات جديدة حتى بعد مرور سنوات.
رحلة كشف الهوية.. من العثور على الجثة حتى التصريح بالدفن
تمر عملية كشف هوية الجثث المجهولة بعدة مراحل تبدأ من العثور عليها وحتى صدور تصريح الدفن بقرار من النيابة العامة، وتشمل:
- التحفظ على الجثة ونقلها إلى الطب الشرعي لتشريحها وبيان سبب الوفاة.
- أخذ عينات DNA لإجراء المقارنات اللازمة مستقبلًا.
- انتداب خبراء البصمات لرفع البصمات وإرسالها إلى الأحوال المدنية.
- تصوير الجثة من عدة زوايا بواسطة خبراء التصوير الجنائي.
- تعميم صور وأوصاف المتوفى على مكاتب بلاغات الغياب على مستوى الجمهورية.
- مراجعة بلاغات التغيب لمطابقة أوصاف المتوفى مع المفقودين.
- إخطار ذوي المتوفى فور التوصل إلى هويته.
- طلب تحريات المباحث حول ظروف وملابسات الواقعة.
جريمة «جثة جبل طهما».. كيف فك البحث الجنائي لغزًا حير الأجهزة الأمنية 45 يومًا؟
من أبرز القضايا التي نجحت أجهزة البحث الجنائي في كشف غموضها مؤخرًا، واقعة العثور على جثمان مجهول أعلى منطقة جبلية بطهما التابعة لمركز شرطة العياط بمحافظة الجيزة، وهي القضية التي ظلت لغزًا لأكثر من 45 يومًا بسبب بشاعة الجريمة ومحاولة الجناة إخفاء هوية المجني عليه بالكامل.
وكانت الأجهزة الأمنية تلقت بلاغًا بالعثور على جثمان يحمل آثار اعتداءات وحشية، بعدما أقدم الجناة على فصل الرأس وقطع إحدى اليدين وإحراق أجزاء من الجثمان لإخفاء معالم الضحية. وعلى الفور، وجه اللواء علاء فتحي مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة بسرعة كشف ملابسات الواقعة، فيما تابع العميد محمد الصغير رئيس المباحث الجنائية لقطاع جنوب الجيزة سير التحريات وخطة البحث.
وتم تشكيل فريق بحث جنائي ضم العقيد أحمد صبحي رئيس مباحث قطاع البدرشين والعياط، والمقدم كريم عليان رئيس مباحث العياط، وعددًا من معاوني المباحث، حيث اعتمدت خطة العمل على فحص بلاغات التغيب وتتبع الخيوط البحثية المختلفة رغم غياب أي أدلة مباشرة تساعد في تحديد هوية المجني عليه.
وكشفت التحريات أن وراء ارتكاب الجريمة 3 شباب من إحدى قرى طهما، استعانوا بالمجني عليه بعدما أوهمهم بقدرته على فتح مقبرة أثرية وفك الأعمال المرتبطة بها مقابل مبالغ مالية. وأضافت التحريات أن خلافات نشبت بين المتهمين والمجني عليه بعد شكهم في تعرضهم لعملية نصب، فقاموا باستدراجه إلى منطقة جبلية والتعدي عليه بسلاح ناري، قبل أن يقدموا على فصل الرأس وقطع اليد وإحراق أجزاء من الجثمان لإخفاء هويته.
ورغم تعقيدات القضية، تمكن فريق البحث الجنائي من فك لغز الواقعة بالكامل، وتحديد هوية المجني عليه وضبط المتهمين، فيما باشرت النيابة العامة التحقيقات لكشف جميع الملابسات.



