لم تعد الحرب الدائرة حول إيران مجرد مواجهة عسكرية أو صراع إقليمي محدود، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي عالمي أعاد طرح سؤال قديم بصورة أكثر إلحاحًا: من يملك الطاقة يملك النفوذ، وفق تقرير نشرته مجلة “فورين أفيرز”. فمع تعطل الملاحة عمليًا في مضيق هرمز خلال مارس 2026، وجد العالم نفسه أمام واحدة من أخطر صدمات الطاقة منذ عقود، بعدما تأثر ما يقرب من خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا.
أزمة الطاقة
لكن التأثير الحقيقي للأزمة لم يكن فقط في ارتفاع أسعار الوقود أو اضطراب الأسواق، بل في الطريقة التي كشفت بها الحرب عن انقسام عالمي جديد بين دول قادرة على امتصاص الصدمة وتحويلها إلى فرصة، وأخرى غرقت في أزمات اقتصادية وسياسية بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة.
في مقدمة الخاسرين جاءت الدول الفقيرة والمستوردة للطاقة، خاصة في آسيا وأفريقيا، فعندما أعلنت الفلبين حالة طوارئ في قطاع الطاقة، لم يكن ذلك إجراءً تقنيًا فقط، بل اعترافًا بأن الاقتصاد بات مهددًا بالشلل. ارتفاع أسعار النفط انعكس مباشرة على النقل والكهرباء والمواد الغذائية، ما أدى إلى موجة تضخم جديدة تضرب الطبقات المتوسطة والفقيرة في وقت لم تتعافَ فيه كثير من الاقتصادات أصلًا من أزمات السنوات الماضية.
الأمر نفسه ينطبق على دول أفريقية عدة مثل زامبيا، التي اضطرت إلى تعليق الرسوم على الوقود لتخفيف الضغط الشعبي. لكن مثل هذه الإجراءات الطارئة تحمل تكلفة مالية ضخمة على الحكومات، خصوصًا في الدول المثقلة بالديون. وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الأزمة: أن صدمات الطاقة لا تضرب فقط الاقتصاد، بل تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي أيضًا. ففي الدول النامية، لا يُنظر إلى الوقود باعتباره سلعة اقتصادية فقط، بل عنصرًا أساسيًا في العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. وعندما ترتفع الأسعار بصورة حادة، تتحول الأزمة سريعًا إلى غضب شعبي واضطرابات سياسية. لهذا تخشى حكومات كثيرة من أن تتحول صدمة الطاقة الحالية إلى موجة احتجاجات عالمية جديدة شبيهة بما حدث خلال أزمات الغذاء والطاقة السابقة.
عصر جديد للطاقة والنفوذ
في المقابل، هناك رابحون واضحون من الأزمة، وعلى رأسهم الدول المصدّرة للطاقة، فارتفاع أسعار النفط والغاز منح اقتصادات تعتمد على التصدير دفعة مالية هائلة. وتبرز هنا روسيا كأحد أكبر المستفيدين، إذ استفادت موسكو من ارتفاع الأسعار ومن تخفيف بعض القيود الغربية على صادراتها النفطية بسبب الحاجة العالمية الملحّة للإمدادات. بالنسبة للكرملين، جاءت الأزمة كهدية جيوسياسية غير متوقعة، فبينما كانت الحرب في أوكرانيا تستنزف الاقتصاد الروسي، أعادت أزمة هرمز رفع أهمية النفط الروسي في السوق العالمية. كما أن انشغال الولايات المتحدة والغرب بأزمة الشرق الأوسط منح موسكو مساحة أكبر للمناورة سياسيًا وعسكريًا.
لكن روسيا ليست الرابح الوحيد، فدول الخليج العربية المنتجة للطاقة وجدت نفسها أيضًا في موقع أكثر قوة وتأثيرًا، فالعالم عاد ليدرك أن أمن الطاقة العالمي لا يزال مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار الشرق الأوسط، رغم كل الحديث خلال السنوات الماضية عن التحول للطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على النفط. وهنا تظهر مفارقة لافتة: “بينما كانت دول كثيرة تتحدث عن نهاية عصر الوقود الأحفوري، جاءت الحرب لتؤكد أن الاقتصاد العالمي لا يزال هشًا أمام أي اضطراب في إمدادات النفط والغاز. بمعنى آخر، فإن أزمة إيران لم تُحيِ فقط أهمية الطاقة التقليدية، بل أعادت الاعتبار الجيوسياسي للدول التي تملكها”.
أما الولايات المتحدة، فتقف في موقع معقد بين الربح والخسارة، فمن ناحية، استفادت شركات الطاقة الأمريكية من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على الغاز الطبيعي المسال والنفط الأمريكي، كما عززت الأزمة من أهمية واشنطن كمورد بديل للطاقة لحلفائها. لكن من ناحية أخرى، فإن استمرار الحرب يهدد الاقتصاد الأمريكي نفسه عبر ارتفاع أسعار الوقود والتضخم الداخلي، فضلًا عن الكلفة العسكرية والسياسية للتورط في الشرق الأوسط. لذلك تبدو واشنطن أمام معادلة صعبة: الاستفادة من الأزمة اقتصاديًا دون الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزفها استراتيجيًا.
انقسام جديد
الأزمة كشفت أيضًا عن انقسام جديد بين الدول التي نجحت في تنويع مصادر طاقتها وتلك التي بقيت رهينة للاعتماد على النفط المستورد، فبعض الاقتصادات الأوروبية، رغم معاناتها، أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع الصدمات بعد تجربة الحرب الأوكرانية وتقليص الاعتماد على الغاز الروسي، بينما بدت دول أخرى أقل استعدادًا وأكثر هشاشة. ومن زاوية أوسع، قد تدفع هذه الأزمة العالم إلى تسريع سباق التحول نحو الطاقة المتجددة، فكل صدمة نفطية كبرى تعيد التذكير بأن الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري يحمل مخاطر جيوسياسية هائلة. لكن مفارقة الأزمة الحالية هو أن الانتقال للطاقة النظيفة يحتاج سنوات طويلة واستثمارات ضخمة، بينما العالم ما زال يحتاج النفط والغاز اليوم أكثر من أي وقت مضى.
لهذا، فإن الحرب المرتبطة بإيران لا تعيد فقط تشكيل أسواق الطاقة، بل تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي نفسها. الدول التي تملك الطاقة أو طرق عبورها تزداد قوة، بينما الدول المعتمدة على الاستيراد تصبح أكثر هشاشة. والنتيجة النهائية قد تكون ولادة نظام عالمي جديد تُقاس فيه القوة ليس فقط بالجيوش أو التكنولوجيا، بل بالقدرة على تأمين الطاقة في عالم يزداد اضطرابًا.



