نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي، الذي تأسس عام 1962 ويُعد أحد أبرز المراكز العالمية في تحليل شؤون الدفاع والأمن والاقتصاد، دراسة ربما تكون الأخطر حول التداعيات العسكرية للحرب الأمريكية على إيران. وأكدت الدراسة أن القوات المسلحة الأمريكية استنزفت مخزونها من الصواريخ الحيوية إلى مستويات خطيرة خلال حربها التي استمرت سبعة أسابيع ضد إيران، مما أدى إلى ما وُصف بأنه "خطر قريب الأمد" قد يتركها في وضع هش مستقبلًا.
تفاصيل الدراسة
الدراسة أعدها العقيد المتقاعد في سلاح مشاة البحرية الأمريكية ومستشار أول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مارك إف. كانسيان، والباحث المشارك بالمركز كريس إتش. بارك. وبحسب الدراسة، فإن الولايات المتحدة ستواجه خيارًا صعبًا بشأن كيفية تعزيز قدراتها العسكرية في أعقاب نقص الذخائر جراء الحرب على إيران. حيث أدت العمليات القتالية المكثفة إلى استنزاف نسبة هائلة من أكثر الأسلحة الأمريكية تقدمًا، بما في ذلك صواريخ الضربة الدقيقة "بي آر إس إم"، وأنظمة اعتراض الدفاع الجوي مثل باتريوت وثاد و"إس إم-3" و"إس إم-6"، إضافة إلى صواريخ كروز من طراز توماهوك، مع بقاء الأرقام الدقيقة سرية لدى وزارة الحرب الأمريكية.
تداعيات خطيرة في المحيط الهادئ
على الرغم من تأكيد البنتاجون امتلاكه قوة نارية كافية لمواصلة العمليات ضد إيران وشركائها الاستراتيجيين، يحذر التقرير من أن استنزاف الذخائر قلّل - بشكل جوهري - قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب كبرى. وهو ما يحمل تداعيات خطيرة بشكل خاص على مسرح المحيط الهادئ، حيث تواجه الولايات المتحدة تحديات من قوى مكافئة وشبه مكافئة مثل الصين وكوريا الشمالية على التوالي.
وفي الوقت الذي تتوقع فيه الدراسة أن نقص الذخائر لأنظمة الدفاع الجوي سيؤثر على جاهزية القوات الأمريكية القتالية في آسيا، يقول كانسيان: "تمتلك الولايات المتحدة مخزونًا كافيًا من الذخائر، لكن بعض الذخائر الحيوية للهجوم الأرضي والدفاع الصاروخي كانت تعاني من نقص قبل الحرب، وازداد النقص الآن".
استنزاف خطير للذخيرة الأمريكية
بلغة الأرقام، تشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة استهدفت أكثر من 6000 هدف خلال أول 10 أيام من الحرب على إيران، باستخدام ذخائر مرتفعة التكلفة. كما أطلقت أكثر من 2000 صاروخ لاعتراض الهجمات المضادة. وبحلول نهاية مارس 2026، تم استهلاك نحو 1000 صاروخ توماهوك من إجمالي يتراوح بين 3000 و4500 صاروخ.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن القوات البحرية الأمريكية أطلقت أكثر من 850 صاروخ توماهوك في الشهر الأول من الحرب الإيرانية. ويبدو أن استخدامها استمر حتى وقف إطلاق النار، حيث أفادت جريدة وول ستريت جورنال البريطانية أن إجمالي استخدام صواريخ توماهوك تجاوز 1000 صاروخ، بالإضافة إلى ما بين 1500 و2000 صاروخ اعتراضي بالغ الأهمية لأنظمة الدفاع الجوي، بما في ذلك نظامي ثاد وباتريوت.
وتتراوح التكلفة التقديرية الحالية للصاروخ الواحد بين 2 مليون و4.1 مليون دولار أمريكي، فيما تبلغ تكلفة منصة الإطلاق الأرضية للصاروخ أكثر من 6 ملايين دولار.
الصواريخ الأمريكية تعاني فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك
في سياق متصل، لم تتضمن ميزانية الدفاع لعام 2025 سوى إنتاج 57 صاروخ توماهوك، ما يعكس فجوة بين الاستهلاك والإنتاج. كما استنزفت قنابل "جي بي يو-57" الخارقة للتحصينات بالكامل تقريبًا، بتكلفة تتجاوز 370 مليون دولار للقنبلة الواحدة؛ وهي أضخم قنبلة تقليدية (غير نووية) خارقة للتحصينات في ترسانة الولايات المتحدة، وتزن نحو 14 طنًا، وتنتجها شركة بوينج؛ وصُممت خصيصًا لاختراق المخابئ والأنفاق العميقة (حتى 60 مترًا) التي لا تصلها القنابل التقليدية، ويتم حملها - فقط - بواسطة القاذفات الاستراتيجية الشبحية.
كما استخدمت القوات الأمريكية أكثر من ألف صاروخ "جاسم" في الشهر الأول من حربها على إيران؛ وتقدر تكلفة الوحدة منه بحوالي 1.3 مليون دولار، وقد ترتفع لتصل إلى 1.6 مليون دولار للنسخ الأحدث.
إعادة البناء عملية بطيئة ومكلفة
يتوقع خبراء أن تستغرق عملية إعادة ملء المخزونات ما بين عام إلى أربعة أعوام، مع سنوات إضافية للوصول إلى مستويات كافية. حيث تشير جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية إلى أن إعادة ملء المخزونات المستهلكة بالكامل قد تستغرق ما يصل إلى ست سنوات. وتشير التقديرات إلى أن أربع فئات رئيسية من الذخائر الأمريكية قد استُهلك أكثر من نصفها خلال الحرب؛ فيما تواجه الصناعة الدفاعية قيودًا إنتاجية، حيث قد تصل دورة التصنيع إلى أكثر من 4 سنوات رغم الجهود السابقة منذ إدارة جو بايدن لزيادة الإنتاج.
وبحسب الدراسة، فإن إعادة بناء الترسانة الأمريكية ستكون عملية بطيئة ومكلفة، وأن الطائرات منخفضة القيمة مثل "إم كيو-9 ريبر"، والتي استخدمت على نطاق واسع للعمل داخل إيران، تكبدت معدلات خسائر مرتفعة جدًا بسبب الدفاعات الجوية الإيرانية.
بدائل أقل تكلفة بقدرات محدودة
ودفعت تكاليف الحرب المرتفعة إلى التوجه نحو أنظمة منخفضة التكلفة، مثل الطائرات المسيرة ونظام لوكاس بتكلفة 35 ألف دولار ومدى 500 ميل، إلا أن قدراتها القتالية محدودة مقارنة بالأنظمة الثقيلة. ويُعد هذا النظام أحدث طائرة مسيرة انتحارية أمريكية الصنع تم تطويرها ونشرها للخدمة في القوات المسلحة الأمريكية، وبشكل أساسي عبر مشاة البحرية الأمريكية.
كما تم تطوير وسائل اعتراض منخفضة التكلفة للطائرات المسيرة، لكن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد في بعض الحالات على صواريخ باهظة مثل صاروخ "إي آي إم"، الذي تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد منه نحو مليون دولار.
تأثيرات استراتيجية ممتدة
بحسب الدراسة، يرى خبراء أن الولايات المتحدة تمتلك ما يكفي لهذه الحرب على الرغم من كل هذه الخسائر؛ وترجع الدراسة ذلك إلى الانخفاض الكبير في معدلات الاستخدام العسكري الأمريكي بعد الأيام الأولى من الحرب. فقد تم استبدال الذخائر بعيدة المدى المكلفة تدريجيًا بذخائر أقل تكلفة وأكثر وفرة. كما انخفضت نفقات الدفاع الجوي بعد تراجع الهجمات الإيرانية بشكل كبير.
يقول الباحثان: "في الأيام الأربعة الأولى من الحرب، أطلقت إيران أكثر من 2000 طائرة مسيرة و500 صاروخ باليستي، لكن هذه الأرقام انخفضت بنسبة 83% و90% على التوالي بعد أسبوع. ومع ذلك، فإن تراجع المخزونات خلق خطرًا قصير الأمد. فالحرب ضد قوة كبرى مثل الصين ستستهلك الذخائر بمعدلات أعلى بكثير. وكانت المخزونات قبل الحرب غير كافية بالفعل، أما الآن فقد تصبح عائقًا أمام العمليات الأمريكية في أي صراع مستقبلي".
ترامب خاطر بترسانة الأسلحة الأمريكية
وتضيف الدراسة: "قبل الرئيس دونالد ترامب هذه المخاطر المرتبطة بالذخائر، مفضلاً تحقيق نصر حاسم في الحرب الحالية بدلاً من الحفاظ على القدرات لصراع مستقبلي غير مؤكد. وبعد انتهاء عملية 'الغضب الملحمي' ستعود الأصول البحرية إلى المحيط الهادئ، وستبدأ المخزونات في التعافي، لكن إعادة بنائها بالكامل ستستغرق سنوات عديدة؛ كما أن المخزونات الحالية تظل غير كافية لمواجهة صراع واسع مع قوة كبرى".
كما يعكس طلب ميزانية عام 2027 تراجع مخزونات الصواريخ وارتفاع الطلب عليها، خاصة في ما يتعلق بمنظومة "ثاد"، حيث لم تُسلم أي شحنات جديدة منذ أغسطس 2023، مع توقع استئناف التسليم في أبريل 2027. وتسعى شركة لوكهيد مارتن إلى رفع إنتاج الصواريخ الاعتراضية إلى 400 صاروخ سنويًا بدلاً من 96 حاليًا. لكن الحرب على إيران كشفت تصاعد احتمالات وجود فجوات كبيرة بين الإنتاج والحجم المطلوب من تلك المنظومة.
كما يواجه نظام باتريوت ضغوطًا متزايدة نتيجة الطلب العالمي المرتفع، إذ تستخدمه 18 دولة، ويُخصص نحو نصف إنتاجه السنوي لحلفاء واشنطن. وتخطط لوكهيد مارتن لزيادة إنتاج صواريخ "إم إس إي" و"بي إي سي-3" إلى 2000 صاروخ سنويًا بحلول 2030، مقارنة بـ600 حاليًا، لكن حتى ذلك الحين ستظل الولايات المتحدة مضطرة للموازنة بين تلبية احتياجاتها العسكرية ودعم حلفائها.
وتبرز معضلة توزيع هذه الصواريخ في ظل تنافس دولي متزايد، حيث تسعى واشنطن لتأمين احتياجاتها في المحيط الهادئ، بينما تضغط دول أخرى، مثل أوكرانيا للحصول على مزيد منها، في حين بدأت دول أخرى مثل سويسرا في البحث عن بدائل بسبب تأخر التسليم، ما يعكس اتساع فجوة العرض والطلب عالميًا.



