مختار محمود: اللي بنى مصر كان فكهاني.. والحكومة تعطش السوق بالفاكهة
مختار محمود: اللي بنى مصر كان فكهاني والحكومة تعطش السوق

مختار محمود اللي بنى مصر كان في الأصل فكهاني! الخميس 23 أبريل 2026 - 01:13 م. ترتبط الفاكهة بمعانٍ إيجابية مثل اللذة والبهجة والنعيم، والفاكهة لغة من الفكاهة، وهي الطيب واللذة، وتطلق مجازًا على كل ما يُتنعم به. في القرآن الكريم، اقترنت الفاكهة بالحديث عن الجنة: "لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ"، "لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ"، وغيرها من الآيات.

ولأن حكومتنا السنية ذات قلب شفيق على هذا الشعب الذي لم يجد من يحنو عليه منذ بدء الخليقة، فإنها لجأت في العامين الأخيرين إلى تطبيق النظرية الاقتصادية الراسخة: "شوَّق ولا تدوَّق"، حيث عملت على تعطيش السوق وحرمان الشعب تدريجيًّا مما لذ وطاب من الفاكهة وغير الفاكهة؛ حتى تكون فرحته مضاعفة يوم يقوم الناس لرب العالمين! تعتقد الحكومة أنها لو أغرقت الأسواق بالفاكهة، وصارت متاحة لكل من هب ودب؛ فإن الشعب سوف يعتاد عليها ويألفها، وهي تعلم أن إيلاف النعم من النقم، ومن ثم لجأت إلى التضييق عليه وإفقاره؛ عملًا بالقول المأثور: الفقراء عيال الله!

على مدار نحو 10 سنوات، فشلت الحكومات الثلاث للدكتور مصطفى مدبولي في استعادة مكانة مصر الزراعية من خلال إقامة مشروعات قومية قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي من الطعام والشراب، واستبدلتها بمشروعات عقارية صماء، لا تحقق نهضة، ولا تصنع تنمية، ولا تُخلِف حضارة. رحم الله أيامًا كنا نردد فيها أن: اللي بنى مصر كان في الأصل فكهاني، قبل أن يحرفها علي الحجار إلى اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني، حيث ضرب الغلاء الفاحش الفواكه والحلويات في مقتل.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إن جولة سريعة في محلات الفاكهة هذه الأيام سوف تصدمك، وتجعلك تظن أنك ربما غبت عن الدنيا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، حتى فقدت أوراقك المالية قيمتها وهيبتها، أو صارت بلا قيمة وبلا هيبة، وكأنها "ورق كوتشينة"! سعر البطيخة لا يقل عن مائتي جنيه، والعنب يكسر حاجز المائة والخمسين جنيهًا، والخوخ يصارعه حول نفس الرقم، والتفاح بألوانه الثلاث فوق المائة بكثير، والفواكه الشعبية مثل البرتقال والجوافة لا يروق لها أن تدور في فلك الخمسين جنيهًا، وتسعى إلى تجاوزها. وليت المزارعين هم المستفيدون من هذه الأرقام الخزعبلية، ولكنهم التجار في ظل موت إكلينيكي للأجهزة الرقابية، وما أكثرها عددًا، وأقلها تأثيرًا!

إن تسوق كميات قليلة من أنواع الفاكهة لمرة واحدة، يتطلب ألف جنيه تقريبًا، بما يعادل 12.5% من الحد الأدنى للأجور، ما يعني أن ضمان توفير فاكهة بصورة أسبوعية لطفلين صغيرين يتطلب عملًا إضافيًا؛ حتى يضمن المرء العودة إلى بيته آمنًا سالمًا، ويتجنب مظاهرات صاخبة حتى مطلع الفجر، أو لافتات معلقة على باب الشقة قد تصل إلى حد المطالبة بالعودة إلى حيث أتى، كما حدث معي غير مرة، حيث يتبنى صغاري قاعدة: الفاكهة مقابل المبيت، على طريقة النفط مقابل الغذاء!

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

يرفض الصغار أية تنازلات أو مساومات في إشكالية جلب ما يحتاجون من الفاكهة، غير آبهين بمتطلبات أخرى على مدار الساعة، لا تُعد ولا تُحصى وأكثر أهمية مثل: أقساط المدارس والكتب الخارجية والدروس والكورسات والملابس والطعام، ولا يتفهمون أسباب خذلاني المستمر لهم في الشهور الأخيرة.. حتى إنهم لوحوا بإسقاط أية شرعية لي؛ حتى أدبر أمري، وأعود إلى سيرتي الأولى، عندما كانت الفاكهة في متناول الجميع، ولا يتطلب شراء كميات محدودة عقد صفقة أو إلغاء بنود أساسية من أجلها.

عندما أفاء الله علي، الأسبوع الماضي، بمبلغ مالي لم أكن أتوقعه، هرعت إلى متجر كبير للخضروات والفاكهة الطازجة، فشاهدت ما هالني، وما لم يكن في حسباني؛ حيث كان السادة اللاجئون يتبضعون كميات كبيرة (فرز أول)، فيما كان بعض المواطنين ينتقون على استحياء، وهم منكفئون، من الفرز الثالث كميات قليلة جدًا؛ كونها أرخص كثيرًا! وأمام هذه الصدمة المروعة الكاشفة الفاضحة لنجاحات حكومتنا الغراء.. تذكرت أنني لم أشتر أدوية الضغط والقلب والسكر منذ أسبوعين، فوليت وجهي شطر إحدى الصيدليات، وابتعت منها قدر استطاعتي وما يكفيني أيامًا قلائل، ولم أعد منذ ذلك اليوم إلى داري، حيث لا أزال هائمًا على وجهي في الشوارع..

وعندما أرسلت إلى صغاري -مستعطفًا- عبر تطبيق "واتساب" ما يفيد بأن الآخرة هي المأوى، وسوف نجد فيها كل ما حرمتنا منه الحكومة في الدنيا من فواكه محلية واستوائية، لم يرق لهم كلامي، وحظروني على كل الوسائط الإلكترونية المتاحة، بعدما أرسلوا لي رسالة من كلمة واحدة نصها: "ما يحكمشي".. والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه!