دار الكتب تلغي قرار رقم 198 بعد موجة غضب واسعة من الناشرين والمؤلفين
دار الكتب تلغي قرار رقم 198 بعد غضب الناشرين

شهد الوسط الثقافي والأدبي في مصر خلال الأيام الماضية حالة من الجدل والتوتر بين دار الكتب والوثائق القومية من جهة واتحاد الناشرين والأدباء من جهة أخرى، وذلك عقب إصدار الهيئة القرار رقم 198 لعام 2026، الذي يقضي بضرورة تقديم الناشرين نسخة كاملة من المؤلفات بصيغة "وورد" (Word) المفتوحة والقابلة للتعديل والنسخ كشرط للحصول على رقم الإيداع، الأمر الذي أثار موجة من الغضب في الأوساط الثقافية واعتبره العديد انتهاكاً واضحاً لحقوق الملكية الفكرية.

بداية الأزمة وقرار دار الكتب

بدأت الأزمة عقب إصدار هيئة الكتب والوثائق القومية قرارها الجديد الذي يقضي بتسليم الناشرين نسخاً بصيغة الوورد، بهدف التسهيل على الناشرين عند التقديم لطلب رقم الإيداع. لكن ردود الفعل كانت سريعة، إذ اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي باعتراضات واضحة من الناشرين والكتاب الذين اعتبروا الإجراء تهديداً مباشراً لسنوات من جهدهم الإبداعي واختراقاً واضحاً لحقوق الملكية.

دفع ذلك دار الكتب والوثائق إلى إصدار بيان توضيحي يوم الثلاثاء الموافق 19 مايو الجاري، تنفي من خلاله الاتهامات الموجهة إليها بمحاولة التعدي على حقوق المبدعين، مؤكدة حرصها على التيسير عليهم في جميع أنحاء الجمهورية. واستعرضت الهيئة عدة نقاط توضح تنفيذ إجراءات من شأنها التيسير على الناشرين، وكان أبرزها تنفيذ وإتاحة الإيداع الإلكتروني لجميع الناشرين على مستوى جميع المحافظات باستثناء محافظة القاهرة بشكل تجريبي، تماشياً مع التحول الرقمي. وأكدت الهيئة أن إيداع نسخة رقمية من المصنف أمر معمول به منذ عام 2017، وأن التعديل الذي تم إجراؤه على المادة الثالثة جاء بهدف دعم إجراءات الحوكمة والميكنة والتحول الرقمي، مشددة على التزام الدار بشكل تام وقانوني بحماية النسخ المودعة لديها ضد أي عبث أو انتهاك.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

موجة من الغضب عقب البيان التوضيحي

لم ينجح البيان التوضيحي في إخماد نار الغضب الثائرة في الوسط الأدبي، بل أشعلها للأضعاف، حيث رأى العديد أن البيان لم يتطرق للمشكلة الحقيقية في هذا القرار الجديد، مما أدى إلى انتفاضة ثقافية ليس فقط من الناشرين واتحاد الناشرين بل من كبار الكتاب أيضاً، الذين شعروا بتخوف على إبداعاتهم التي تطالبهم الهيئة بإرسالها في نسخ قابلة للتغير والنسخ. واعتبر البعض ذلك بداية لفرض "وصاية ورقابة مسبقة" تتجاوز صلاحيات الدار القانونية والدستورية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وأجمع عدد من أبرز المبدعين عبر صفحاتهم الرسمية على وسائل التواصل المختلفة على خطورة هذا الإجراء، معتبرين أن الطمأنينة التي يطلبها المؤلف ليست رفاهية بل هي أصل حماية الإبداع. فأكد الروائي الكبير أشرف العشماوي أن القرار -إن صح تطبيقه بهذه الصورة- يثير تساؤلات مقلقة تتجاوز الإجراءات الإدارية إلى ما يشبه فرض رقابة مسبقة على الكتب، وهي مسألة مرفوضة دستورياً. وأوضح أن دار الكتب ليست جهة فحص أو وصاية على النصوص قبل نشرها، بل هي جهة حفظ وتوثيق للإنتاج الفكري بعد النشر.

ومن جانبها، ترجمت الكاتبة والروائية ضحى عاصي هذا الغضب إلى تحرك برلماني سريع، مؤكدة أن القرار يفتح الكثير من التساؤلات المقلقة لدى المؤلفين والناشرين. وبناءً على ذلك، ووفقاً للمادة 134 من الدستور والمادة 212 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، تقدمت عاصي بطلب إحاطة رسمي موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة الثقافة لاستيضاح أبعاد هذا القرار ومخاطره.

أما الكاتبة صفاء النجار، فقد كشفت عن تخبط إداري وغياب للشفافية، مشيرة إلى أن الموقع الرسمي لدار الكتب والوثائق القومية لا يحوي أي إشارة للقرار الجديد، بل يضم النصوص القديمة المستندة لقانون حماية الملكية الفكرية والقرارات الوزارية لعامي 2017 و2018، التي لا تشترط ملف "الوورد". وتساءلت النجار: "الموظفون على الأرض يطلبون ملفات وورد، فهل هذه بالونة اختبار أم فرض للأمر الواقع؟ كيف يتم العمل بقرار لا يعلن عنه رسمياً ولا يناقش مع الخبراء؟".

كما شدد الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد على أهمية التحرك الجماعي لمواجهة هذه الأزمة، واصفاً بيان اتحاد الناشرين المصريين بأنه خطوة مهمة جداً يعول عليها لتكون طريقاً لإنهاء هذه المشكلة المستحدثة.

الناشرون المصريون يصعدون الأمر لوزارة الثقافة

أصدر اتحاد الناشرين المصريين بياناً بعد ساعات قليلة من بيان الهيئة، انتقد فيه البيان التوضيحي الصادر عنها، مؤكداً أنه أغفل النقاط الجوهرية التي تمثل صلب الأزمة ومحور مخاوف الناشرين. ووصف الاتحاد القرارات بالبيروقراطية، مشيراً إلى اللجوء إلى وزارة الثقافة مباشرة للحفاظ على حقوق ملكية الناشرين والمؤلفين. وأكد الاتحاد عدم اطلاعه على نص القرار 198 الذي أصدرته الهيئة، وأنه لم ينشر أو يعلن بالطرق الرسمية قبل تفعيله، حيث فوجئ الاتحاد والناشرون على حد سواء بعد تطبيقه الفعلي. وتساءل الاتحاد عن سبب عدم إشراكه في بحث أو صياغة هذا القرار قبل صدوره، باعتباره الجهة التنظيمية والشرعية الوحيدة لصناعة النشر في مصر بموجب قانون إنشائه رقم 25 لسنة 1965.

وأوضح الاتحاد أن قرار "الوورد" القابل للنسخ والتعديل يعد تراجعاً غير مبرر عن مكتسبات حماية الملكية الفكرية، ويفتح الباب أمام مخاطر سيبرانية وقرصنة تهدد الحقوق الأدبية والمالية للمؤلفين والناشرين، وهو ما يتنافى مع دور دار الكتب كحامية للإنتاج الفكري المصري. وشدد الناشرون على أن الوظيفة القانونية والأساسية لدار الكتب هي توثيق وحفظ المنتج الثقافي في صورته النهائية المطبوعة أو الرقمية المغلقة، وليس جمع وإيداع مسودات وملفات نصية أولية تسبق مرحلة النشر النهائي، مما يشكل قيداً بيروقراطياً مستحدثاً قد يمس حرية النشر والخصوصية الإبداعية التي كفلها الدستور المصري، فضلاً عن مخالفة أحكام قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002.

وطالب اتحاد الناشرين المصريين دار الكتب والوثائق القومية بضرورة إلغاء هذه الاشتراطات المستحدثة فوراً، حتى تتم مراجعتها مع الاتحاد، تلافياً لأي تصعيد قد يؤثر سلباً على حركة النشر وصناعة الفكر الوطنية. وأوضح أنه تم رفع الأمر بصفة عاجلة إلى الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، لاتخاذ ما يلزم لحماية الحقوق الإبداعية للمثقفين والناشرين المصريين.

إلغاء دار الكتب للقرار رقم 198 لعام 2026

استجابة لحالة الغضب الواسعة التي أصابت الوسط الثقافي، أصدرت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بياناً توضيحياً اليوم الخميس الموافق 21 مايو الجاري، أكدت فيه أنها مؤسسة ثقافية وطنية لها الريادة في المنطقة، وعلى حرصها الكبير على الملكية الفكرية وحماية حقوق المؤلفين، وأنها على مدار عقود كانت الحصن والدرع الواقي ضد أي شخص أو جهة تحاول المساس بهذه الحقوق. وأوضحت الهيئة أنها تابعت ما أثير حول إجراءات الإيداع، مؤكدة استمرار إجراءات الحصول على أرقام الإيداع كما هي، والتزامها التام بمنح أرقام الإيداع عند الطلب، على أن يتم إيداع النسخ المطلوبة في موعد غايته ثلاثة أشهر من تاريخ الحصول على رقم الإيداع بنسخة إلكترونية سواء كانت بصيغة "PDF" القابلة للبحث، أو نسخة "Word" مؤمنة من قبل مقدم الطلب وغير قابلة للتحرير، وذلك وفقاً لرغبة مقدم الطلب، إلى جانب النسخ المطبوعة المقررة قانوناً. وبذلك ألغت الهيئة قرارها السابق بإلزام الناشرين بتقديم نسخة "وورد" غير مؤمنة.

كما أعلنت الكاتبة والنائبة ضحى عاصي، عضو مجلس النواب، عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي، عن إلغاء تسليم الأسطوانات المدمجة (CD) بهدف التيسير على الناشرين ودعم حركة النشر، وذلك خلال اجتماع عقد بمقر وزارة الثقافة بحضور قيادات الوزارة والهيئة، من بينهم الدكتور أسامة طلعت رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، والدكتور مينا رمزي رئيس دار الكتب، والدكتور شريف شاهين أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة القاهرة، والمستشار محمد عبد السلام المستشار القانوني لوزارة الثقافة، والمهندس هيثم يونس رئيس الإدارة الاستراتيجية بالوزارة.

الناشرون المصريون يوجهون رسالة شكر لدار الكتب

عقب بيان اليوم لدار الكتب، حرص اتحاد الناشرين المصريين على إصدار بيانه الخاص، حيث بعث برسالة شكر للوزارة ودار الكتب لتراجعها عن القرار الذي يهدد صناعة النشر في مصر. وجاء في البيان: "يتوجه اتحاد الناشرين المصريين بالشكر والتقدير إلى الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، وإلى الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، على الاستجابة السريعة والواعية للمطالب العادلة التي تقدم بها الاتحاد نيابة عن الجماعة الثقافية وصناع النشر في مصر. يعتبر الاتحاد البيان الصادر اليوم عن دار الكتب إنما يعكس الحرص المشترك على صون أركان القوة الناعمة المصرية؛ حيث جاء تأكيد الدار على استمرار آليات منح أرقام الإيداع فوراً دون تغيير، ومنح المرونة الكاملة للناشرين في تقديم نسخة إلكترونية مؤمنة، بمثابة خطوة أعادت الأمور إلى نصابها القانوني والمهني المستقر".

وأضاف الاتحاد: "يقدر الاتحاد هذا التنسيق المثمر الذي يثبت أن وزارة الثقافة ودار الكتب هما الحصن المنيع لحماية حقوق الملكية الفكرية والحرية الإبداعية. ونؤكد تطلعنا الدائم للتعاون المستمر لدعم خطط التحول الرقمي والحوكمة، بما يضمن تيسير الإجراءات وحفظ التراث الفكري، ودون المساس بحقوق المؤلفين والناشرين، استمراراً لمسيرة مصر الثقافية الرائدة". كما حرص الاتحاد على تقديم الشكر لكل من ساهم في حل الأزمة، قائلاً: "كما يتوجه الاتحاد بخالص الشكر والتقدير إلى جميع السادة الناشرين والمؤلفين والنواب، وكل من ساهم في إبراز أبعاد هذه القضية والتأكيد على ما قد يترتب عليها من آثار تمس صناعة النشر وأصحاب الحقوق، وكذلك لكل من شارك في جهود التنسيق والتواصل البناء من أجل إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح بما يحقق المصلحة العامة".

وأكد الاتحاد في نهاية بيانه على أهمية عقد اجتماعات تنسيقية وتشاورية دورية بين الجهات المعنية بوزارة الثقافة والاتحاد وكافة الأطراف المرتبطة بصناعة النشر، وذلك قبل إصدار أي قرارات تنظيمية جديدة، بما يضمن تحقيق التوافق والتكامل بين جميع الجهات المعنية، ويخدم تطور صناعة النشر والثقافة في مصر.