في 27 فبراير الماضي، تخلى الجنرال السابق في سلاح الجو الأمريكي ويليام ماكسلاند، المرتبط عمله بالبرامج النووية والصواريخ المتقدمة والأبحاث المتعلقة بالأجسام الطائرة المجهولة، عن كل ما يساعد على الوصول إليه، بما في ذلك هاتفه المحمول وساعته الذكية وبطاقات هويته ونظارته الطبية وسياراته، ليخرج من منزله سيرا على الأقدام مختفيا عن الأنظار، تاركا وراءه لغزا عصيا على التفسير، وفق مكالمة طوارئ أجرتها زوجته سوزان ويلكيرسون.
وعلى مدى شهرين كاملين، لم يعثر للجنرال البالغ من العمر 68 عاما على أي أثر، لتنضم قصة اختفائه إلى أربع ملفات تحقيق مماثلة على الأقل تجريها السلطات الأمريكية حول اختفاء غامض لعلماء في مجالات الصواريخ المتقدمة، وفق تصريحات أدلى بها عضو في الكونجرس الأمريكي لجريدة "ديلي ميل" البريطانية مشترطا عدم ذكر اسمه.
لم تكن قصة ماكسلاند وحدها سيدة المشهد؛ حيث شهدت الولايات المتحدة منذ يوليو 2023 سلسلة حوادث غامضة طالت 11 عالما أمريكيا بارزا ينتمون إلى مؤسسات حساسة مثل ناسا ومختبر لوس ألاموس الوطني، وتنوعت هذه الحوادث بين وفيات مفاجئة وحالات اختفاء غير مبررة وجرائم قتل، ما أثار مخاوف دوائر الاستخبارات الأمريكية حول احتمال وقوف شبكات أكثر تعقيدا وراء هذه الحوادث.
ومؤخرا، تناولت وسائل إعلام غربية وفاة العالمة الأمريكية آمي إسكردج البالغة من العمر 34 عاما في 11 يونيو الماضي بمدينة هانتسفيل الأمريكية في ظروف غامضة؛ حيث أعيد فتح ملف وفاتها بعد تقارير مستقلة قدمت إلى الكونجرس الأمريكي شككت في استنتاج الانتحار وألمحت إلى احتمال وجود مؤامرة أكبر وراء الحادث بسبب طبيعة عملها في مجال تكنولوجيا مقاومة الجاذبية، وهو مجال ذو آثار محتملة على كل من السفر إلى الفضاء وأنظمة الطاقة.
وزاد الأمر غموضا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 16 إبريل الجاري بأن "السلطات تجري تحقيقا في نمط الوفيات"، مضيفا: "آمل أن يكون الأمر عشوائيا، لكننا سنعرف الحقيقة خلال الأسبوع ونصف الأسبوع القادمين؛ الأمر خطير للغاية؛ والعديد من الضحايا شخصيات مهمة جدا".
إسكردج.. تهديدات وضغوط متصاعدة
تصريحات ترامب زادت من حدة الجدل المرتبط بوفاة إسكردج، والتي عبرت في تصريحات سابقة عن المخاطر التي تواجهها جراء طبيعة عملها، مؤكدة أن نشر أبحاثها يمنحها قدرا من الأمان، بينما قد يؤدي إبقاؤها في نطاق السرية إلى تعرضها لمزيد من الضغوط والترهيب، وفق جريدة "ذا ميرور" البريطانية.
نمط مقلق
يقول أحد العلماء البارزين في وكالة ناسا في تصريحات لـ"فيتو": "عندما يتم جمع حالات وفاة واختفاء وجرائم قتل غامضة عبر عدة سنوات وفي ظروف مختلفة، قد يبدو الأمر وكأنه جزء من مؤامرات ممنهجة، لكن من الناحية الإحصائية، من الطبيعي أن تحدث وفيات مفاجئة بين صفوف آلاف العلماء والباحثين في المجال النووي؛ وهناك بعض الدول التي تسعى للحصول على أسرار علمية وتقنية، لكن ذلك يحدث غالبا عبر التجسس الإلكتروني أو تجنيد أشخاص، وليس عبر سلسلة اغتيالات غامضة على الأراضي الأمريكية".
ويضيف: "حالات الاختفاء مثل تلك المرتبطة بمختبر لوس ألاموس الوطني تبدو مقلقة، لكن قد يكون لها أسباب متعددة محتملة تتنوع بين الجنائية والشخصية والصحية؛ كما أن غياب المعلومات لا يعني وجود تستر، فعندما لا تنشر تفاصيل عن سبب الوفاة أو التحقيقات، قد يبدو الأمر مريبا. لكن في الواقع، قوانين الخصوصية أو سير التحقيقات أو حتى قلة الاهتمام الإعلامي قد تحد من نشر المعلومات".
لكنه يؤكد في الوقت ذاته وفاة اثنين من علماء معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، والذي عمل به عالم الكيمياء المصري الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لسنة 1999 الدكتور أحمد زويل، في ظروف غامضة خلال الفترة الماضية، مشددا على ضرورة انتظار نتائج التحقيقات.
مخاوف الكونجرس والمجتمع الاستخباراتي
تتراوح تصريحات العالم بوكالة ناسا لـ"فيتو" ما بين الشك واليقين، لكن على الجانب الآخر، تتعامل مؤسسات بحجم الكونجرس ومجتمع الاستخبارات الأمريكي مع ملف الاختفاء الغامض للعلماء الأمريكيين الـ11 بقدر كبير من الاهتمام.
من جهته، قال النائب الجمهوري عن ولاية ميسوري إريك بورليسون في تصريحات لموقع "نيوز نيشن" الأمريكي: "هؤلاء من أكثر العلماء والباحثين تقدما في بلادنا، ويعملون على جهود بالغة الأهمية للأمن القومي، واختفى العديد منهم في ظروف غامضة، هذا ليس من قبيل الصدفة، وعلينا التحقيق في الأمر".
بدورها، نقلت جريدة "ديلي ميل" البريطانية عن مساعد مدير سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي قوله: "جميع هذه الحالات مريبة، وهؤلاء علماء خدموا في تقنيات حيوية؛ وهناك عدة أجهزة استخبارات أجنبية، سواء كانت معادية أو حليفة، تستهدف الأمريكيين الذين يمتلكون أسرارا تكنولوجية منذ عقود".
وقال المسؤول السابق والذي اشترط عدم ذكر اسمه: "الصين وروسيا، وحتى بعض حلفائنا مثل باكستان والهند وإيران وكوريا الشمالية، يستهدفون هذا النوع من التكنولوجيا".
بدوره، أكد عضو في الكونجرس الأمريكي أن "هناك عدة حالات اختفاء مشبوهة في أنحاء الولايات المتحدة يجب التعامل معها بقوة وعدم تجاهلها".
ونقلت "ديلي ميل" عن عضو الكونجرس الذي رفض ذكر اسمه، أن عالمين نووين في مختبر لوس ألاموس الوطني، غادرا منزليهما سيرا على الأقدام دون أخذ متعلقاتهما، ولم يعثر عليهما سواء أحياء أو أمواتا، مضيفا: "وكالات الاستخبارات لم تقدم المساعدة الكافية، وأعداد الضحايا والمختفين تبدو مرتفعة في مجالات بحثية بعينها، ولا ينبغي الوثوق بما تعلنه الإدارة الأمريكية دون تحقيق عميق".
اختفاءات غامضة بدائرة مصغرة
يمثل رحيل العالم مايكل ديفيد هيكس أحد أهم حالات الغموض التي شهدها مجتمع العلوم الأمريكي؛ حيث توفي هيكس، وهو عالم أبحاث في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، في 30 يوليو 2023 عن عمر يناهز 59 عاما، لكن سبب الوفاة لم يعلن أبدا، ولم يعثر على أي سجل يثبت إجراء تشريح للجثة.
وبحسب جريدة "ديلي ميل"، عمل هيكس في مختبر الدفع النفاث من عام 1998 إلى 2022، ونشر أكثر من 80 بحثا علميا، وكان جزءا من عدة فرق ساعدت ناسا على فهم الخصائص الفيزيائية للمذنبات والكويكبات. وشارك هيكس في مشروع "دي إيه آر تي" المشترك بين وكالة ناسا ومختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز، وعمل على مهمة "ديب سبيس 1" الفضائية والتي اختبرت تقنيات جديدة للمركبات الفضائية.
ورغم عدم وجود أي اتهامات رسمية بوقوع جريمة، أثارت حالة هيكس قلقا لدى خبراء الأمن القومي الأمريكي، بحسب صحيفة ديلي ميل. وتضيف: "لقد اختفى ثلاثة من العلماء الذين كانوا على صلة وثيقة بهيكس، حيث عملوا جميعا في مختبر الدفع النفاث، وشاركوا في مهمات تابعة لناسا هناك، فقد اختفت مونيكا ريزا، المديرة الجديدة لمجموعة معالجة المواد في المختبر، دون أن يعثر لها على أثر في يونيو 2025، وذلك بعد أشهر قليلة من بدء عملها".
وتوفي عالمان آخران كانا يعملان في نفس المختبر، ومن بينهما زميل قديم لهيكس اسمه فرانك مايوالد، والذي توفي في يوليو 2024 عن عمر 61 عاما، دون الكشف عن ملابسات وفاته المفاجئة الغامضة على الرغم من حصوله على لقب "مدير رئيسي" في المختبر، وهو تكريم يمنح للعلماء المتميزين؛ ورفضت ناسا الرد على استفسارات جريدة "ديلي ميل" بشأن طبيعة أعماله قبل وفاته، وأهمها كونه الرئيسي في إنجاز قد يساعد مهمات الفضاء المستقبلية على اكتشاف علامات واضحة للحياة على عوالم أخرى؛ وهو الإنجاز الذي جرى قبل 13 شهرا فقط من وفاته.
أنشطة تجسس حديثة
في الوقت نفسه، قتل عالم الفيزياء الفلكية كارل جريلماير، البالغ من العمر 67 عاما، بينما كان يقف في شرفة منزله في 16 فبراير 2026 دون الكشف عن ملابسات وفاته، على الرغم من أبحاثه المتقدمة في مهام تلسكوبات فضائية كبرى. وارتبط جريلماير بعلاقة مهنية وإنسانية قوية مع هيكس، واعتاد زملاؤه وصفه بالـ"عبقري"، لأبحاثه التي تناولت احتمالات وجود حياة على بعد أقل من 160 سنة ضوئية من الأرض.
وبحسب ملفه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، فقد عمل جريلماير أيضا على مشروعات تلسكوبات الأشعة تحت الحمراء التي تتعقب الكويكبات، والتي قد تستخدم أيضا في تصميمات الصواريخ المتقدمة. وقال مسؤول سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي: إن التفسير "الأقرب للمنطق" لهذه الحوادث قد يرتبط بأنشطة تجسس حديثة، ما يستوجب إجراء تحقيقات أكثر عمقا.
اتهامات إسرائيلية لطهران
في قضية أخرى، قتل الفيزيائي الأمريكي ذو الأصول البرتغالية نونو لوريرو، البالغ من العمر 47 عاما، بعد تعرضه لإطلاق نار في منزله في ولاية ماساتشوستس في 15 ديسمبر 2025، وقالت السلطات إن القاتل عثر عليه لاحقا ميتا في نيوهامبشير، دون الكشف عن دافع الجريمة، بحسب جريدة "نيويورك تايمز". لكن جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية ربطت جريمة القتل بـ"ديانة لوريرو اليهودية" و"مواقفه الداعمة لإسرائيل"؛ فيما ذكرت جريدة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أن "مسؤولين إسرائيليين يدرسون معلومات استخبارية تشير إلى احتمال وجود صلة إيرانية بمقتله"، مشددة على أنه "أحد أبرز الباحثين في العالم في فيزياء الطاقة والفيزياء النووية حول العالم".
الموساد وعمليات اغتيال لا تنتهي
تعرض عدد من العلماء العرب والإيرانيين لعمليات اغتيال بطرق متعددة، شملت الخنق والحرق وإطلاق النار والتفجيرات باستخدام قنابل لاصقة أو مغناطيسية، إضافة إلى حوادث سير يشتبه في تدبيرها، وقد طالت هذه الحوادث شخصيات بارزة، ووجهت في كثير من الحالات اتهامات إلى جهاز الموساد بالوقوف وراءها.
من بين أبرز الأسماء، عالم الذرة المصري والأستاذ في جامعة ديترويت بالولايات المتحدة سمير نجيب، والذي توفي في حادث سير غامض عام 1967، وتحديدا عندما قرر العودة إلى مصر؛ حيث اصطدمت شاحنة كبيرة بسيارته قبل ليلة واحدة من سفره إلى القاهرة؛ ولقي مصرعه على الفور، فيما انطلقت سيارة النقل بسائقها واختفت، وقيد الحادث ضد مجهول. وهناك أيضا عالم الفيزياء اللبناني رمال حسن رمال الذي توفي في ظروف غامضة داخل مختبر للأبحاث بفرنسا في مايو من عام 1991، ووصفته مجلة "لو بوان" بـ"أحد أهم علماء العصر في مجال الفيزياء".
وكانت فرنسا أيضا مسرحا لأحد أخطر عمليات الاغتيال التي طالت العلماء العرب، حيث اغتيال عالم الذرة المصري يحيى المشد، الخبير في مجال التصميم والتحكم بالمفاعلات النووية، والذي اضطلع بدور كبير في المحاولات العراقية لامتلاك برنامج نووي؛ وترأس البرنامج النووي العراقي الفرنسي المشترك؛ واستدعي إلى فرنسا لمعاينة شحنة من اليورانيوم، لكن كانت تلك رحلته الأخيرة، حيث عثر عليه مذبوحا في غرفته يوم 14 يونيو 1980، في جريمة قيدت ضد مجهول على الرغم من أن بصمات الموساد واضحة في الجريمة.
وفي الملف النووي العراقي، اغتيل أيضا عالم الذرة العراقي إبراهيم الظاهر إثر عودته من كندا إلى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003؛ حيث اشتغل أستاذا بجامعة ديالي، وكان عضوا في المجلس البلدي للمحافظة، ويوم 22 ديسمبر 2004، أطلق عليه مسلحون النار بمدينة بعقوبة أثناء قيادته لسيارته التي سقطت في "نهر سارية"، ولما أخرجه الناس من النهر وجدوه فارق الحياة، دون التوصل إلى هوية القتلة في وقت هيمنت فيه القوات الأمريكية على كل صغيرة وكبيرة في العراق.
سميرة موسى وراقية إبراهيم
ارتبطت عملية اغتيال العالمة المصرية سميرة موسى، ابنة مركز زفتى بمحافظة الغربية، والتي درست الإشعاع النووي في بريطانيا، وحصلت على شهادة الدكتوراه في الأشعة السينية وتأثيراتها على المواد، بالموساد الإسرائيلي. فبعد الانتهاء من دراستها، عرضت عليها الولايات المتحدة منحها الجنسية الأمريكية؛ لكنها رفضت وعادت إلى مصر، وأنشأت هيئة الطاقة الذرية؛ وعندما سافرت موسى إلى كاليفورنيا لزيارة معامل نووية هناك؛ وفي يوم 15 أغسطس 1952 كانت تقطع طريقا وعرا في مرتفع بكاليفورنيا، وسرعان ما فاجأتها سيارة من الاتجاه الآخر صدمتها وألقت بها في المنحدر لتلقى حتفها في الحال.
وفي 2015 أعلنت ريتا ديفد توماس حفيدة الممثلة اليهودية راشيل أبراهام ليفي -الشهيرة بلقبها الفني راقية إبراهيم- أن جدتها التي كانت متزوجة من يهودي أمريكي ساهمت في اغتيال عالمة الذرة المصرية التي كانت صديقتها، وأن راقية سبق أن عرضت على سميرة موسى نسيان فكرة البرنامج النووي المصري والحصول على الجنسية الأمريكية، وحذرتها من مصير مجهول في حال إصرارها على مواصلة جهودها البحثية النووية.
إيران ساحة مستباحة للموساد
وفي إيران، استهدف الموساد عددا من العلماء النوويين، ومنهم أستاذ الفيزياء والمشارك في تطوير البرنامج النووي الإيراني مسعود علي محمدي، الذي جرى اغتياله في 12 يناير 2010 عن طريق قنبلة زرعت على دراجة نارية قرب منزله في طهران، وانفجرت أثناء مغادرته للمنزل، واغتيال مؤسس الجمعية النووية الإيرانية مجيد شهرياري بقنبلة مغناطيسية مثبتة بسيارته، دون القبض على أي من الجناة. وجرى اغتيال العالم في مجال الهندسة الكهربائية داريوش رضائي نجاد في 23 يوليو 2011، والمشرف على إحدى منشآت تخصيب اليورانيوم مصطفى أحمدي روشان، والذي جرى اغتياله في 11 يناير 2012 بواسطة قنبلة مغناطيسية وضعت على سيارته.
وفي 22 مايو 2022، اغتيل القيادي البارز في الحرس الثوري وفيلق القدس العقيد حسن سيد خدائي، والملقب بـ"الصياد" في طهران؛ وفي الشهر ذاته، جرى اغتيال عالم الفضاء الإيراني أيوب انتظاري بالرصاص، واغتيال العالم النووي الإيراني كامران مالابور باستخدام السم. وخلال تلك العمليات كان عملاء إيران الذي جندهم الموساد عنصرا فاعلا؛ حيث جرى اعتقال قادة في الحرس الثوري الإيراني وضباط مخابرات في 2013 بتهمة التجسس لصالح الموساد، وكان أحد المتهمين الضابط المسؤول عن مكافحة التجسس ضد إسرائيل في وزارة الأمن الإيرانية، وهو ما أقر به الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد.



