نصائح غذائية وطبية لمرضى الغدة الدرقية في رمضان: متى وكيف تتناول الأدوية؟
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدد التساؤل لدى مرضى الغدة الدرقية حول إمكانية الصيام بأمان، وتأثير الامتناع الطويل عن الطعام والشراب على توازن الهرمونات في الجسم. فالغدة الدرقية، تلك الغدة الصغيرة الموجودة في مقدمة الرقبة، تلعب دورًا حيويًا في تنظيم عمليات الأيض، ودرجة حرارة الجسم، ومعدل ضربات القلب، ومستوى الطاقة. وأي خلل فيها قد ينعكس سلبًا على مختلف أجهزة الجسم.
ما هي الغدة الدرقية ودورها الحيوي؟
الغدة الدرقية مسؤولة عن إفراز هرموني الثيروكسين (T4) وثلاثي يودوثيرونين (T3)، وهما الهرمونان اللذان يتحكمان في سرعة العمليات الحيوية داخل الجسم. عندما يحدث خلل في نشاطها، قد يظهر على شكل قصور الغدة الدرقية (انخفاض نشاطها) أو فرط نشاط الغدة الدرقية (زيادة إفراز الهرمونات). ومن أكثر الاضطرابات شيوعًا: قصور الغدة الدرقية، فرط نشاط الغدة الدرقية، التهاب هاشيموتو المناعي، ومرض جريفز.
تأثير الصيام على مرضى قصور الغدة الدرقية
أوضحت الدكتورة هدى مدحت، أخصائية التغذية العلاجية، أنه في حالات قصور الغدة، يعتمد المريض غالبًا على تناول هرمون الثيروكسين الصناعي يوميًا. وهنا يبرز التحدي في رمضان: متى يتناول الدواء؟ وكيف يؤثر الصيام على امتصاصه؟ أضافت الدكتورة هدى أن الصيام لا يؤثر سلبًا بشكل مباشر على مرضى القصور المستقرين الذين يلتزمون بالعلاج، بشرط تنظيم مواعيد الدواء بدقة. وأشارت إلى أنه يُفضل تناول الجرعة قبل السحور بساعة على معدة فارغة، أو قبل الإفطار بساعة، مع تجنب تناوله مع مكملات الحديد أو الكالسيوم؛ لأنها تقلل امتصاصه.
من ناحية الأعراض، قد يشعر بعض المرضى في الأيام الأولى بالخمول أو الصداع، لكن غالبًا يكون السبب تغير نمط النوم أو انخفاض الكافيين، وليس الصيام نفسه.
النظام الغذائي الأمثل لقصور الغدة أثناء الصيام
يجب أن تحتوي وجبة السحور المتوازنة على:
- بروتين مثل البيض، اللبن، أو الزبادي.
- كربوهيدرات معقدة مثل خبز الحبوب الكاملة.
- دهون صحية مثل ملعقة زيت زيتون أو حفنة مكسرات.
هذا التوازن يساعد في الحفاظ على مستوى طاقة مستقر خلال ساعات الصيام. كما يجب الانتباه لليود والسيلينيوم، وهما عناصر مهمة لصحة الغدة، وتوجد في الأسماك البحرية، البيض، والمكسرات خاصة الجوز البرازيلي. تجنب الإفراط في الصويا والخضروات النيئة بكميات كبيرة، مثل الكرنب والقرنبيط؛ إذ قد تؤثر بكميات كبيرة على امتصاص اليود، لكن تناولها باعتدال لا يمثل مشكلة. ولا تنسَ شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور؛ لأن الجفاف قد يزيد الإحساس بالإرهاق.
تأثير الصيام على مرضى فرط نشاط الغدة
في حالات فرط النشاط، يكون معدل الأيض مرتفعًا، ويعاني المريض من سرعة ضربات القلب، التعرق الزائد، فقدان الوزن، والتوتر. هنا يجب تقييم الحالة مع الطبيب قبل اتخاذ قرار الصيام. إذا كانت الحالة مستقرة وتحت السيطرة بالعلاج، يمكن الصيام بحذر. لكن في الحالات غير المستقرة أو التي تعاني من خفقان شديد أو فقدان وزن ملحوظ، قد يفضل تأجيل الصيام حتى استقرار الوضع.
النظام الغذائي الأمثل لفرط النشاط
يجب تقليل المنبهات مثل القهوة والشاي الثقيل؛ لأنها قد تزيد من تسارع ضربات القلب. التركيز على البروتين والسعرات الكافية لأن الجسم يحرق الطاقة بسرعة. من المهم تعويض الفاقد من خلال اللحوم الخالية من الدهون، البقوليات، ومنتجات الألبان. تجنب الأطعمة شديدة الملوحة أو الغنية باليود بكثرة مثل الأعشاب البحرية. كما يُنصح بتقسيم وجبة الإفطار: البدء بتمرات وماء، ثم صلاة المغرب، ثم تناول وجبة متكاملة، لتجنب إرهاق القلب والجهاز الهضمي.
هل الصيام يؤثر على هرمونات الغدة؟
بشكل عام، الصيام المتوازن لا يؤدي إلى تغيرات خطيرة في مستويات هرمونات الغدة لدى الأشخاص المستقرين صحيًا. بعض الدراسات تشير إلى تغيرات طفيفة في هرمون TSH خلال الصيام، لكنها غالبًا تعود إلى طبيعتها بعد انتهاء الشهر. العامل الأهم هو انتظام الدواء، والنوم الكافي، وتجنب السهر الطويل الذي قد يؤثر على توازن الهرمونات عمومًا.
متى يُمنع الصيام؟
يُفضل عدم الصيام في الحالات التالية:
- عدم استقرار جرعة الدواء.
- وجود مضاعفات قلبية.
- فقدان وزن شديد وغير مبرر.
- الحمل مع اضطراب غير مسيطر عليه في الغدة.
نصائح عملية لرمضان آمن
إجراء تحليل هرمونات الغدة قبل رمضان إذا أمكن، واستشارة الطبيب لتعديل مواعيد الجرعات، ومراقبة الأعراض غير المعتادة مثل تسارع القلب الشديد، الدوخة، أو الإرهاق المفرط. الاهتمام بالنوم ليلًا 6 - 8 ساعات على الأقل، وتجنب الحميات القاسية خلال رمضان؛ لأن التذبذب الشديد في الوزن قد يؤثر على ضبط الجرعة.
الصيام في حد ذاته ليس خطرًا على مرضى الغدة الدرقية، بل قد يكون فرصة لإعادة ضبط نمط الحياة وتحسين العادات الغذائية، بشرط الالتزام بالعلاج والمتابعة الطبية. القرار في النهاية فردي، يعتمد على نوع الاضطراب، واستقرار الحالة، واستجابة الجسم.