العرقسوس: مشروب رمضان بين التراث والصحة
يظل العرقسوس واحدًا من أبرز المشروبات المرتبطة بشهر رمضان المبارك في مصر والعالم العربي، حيث لا تكاد تخلو مائدة إفطار من كوبه البارد المنعش، خاصة في الأيام الأولى من الصيام. ويعتبر هذا المشروب أكثر من مجرد تقليد رمضاني؛ فهو جزء من الذاكرة الجماعية التي ترتبط بروح الشهر الكريم، وصوت الباعة في الشوارع قبل أذان المغرب، وكوب بارد يُنعش الصائم بعد يوم طويل من الامتناع عن الطعام والشراب.
لماذا يُعد العرقسوس مثاليًا في رمضان؟
أكدت الدكتورة مها سيد، أخصائية التغذية العلاجية، أنه مع ساعات الصيام الطويلة، يفقد الجسم جزءًا كبيرًا من السوائل والأملاح المعدنية، وهنا يأتي دور العرقسوس، الذي يُعرف بقدرته على ترطيب الجسم والمساعدة في الاحتفاظ بالسوائل لفترة أطول نسبيًا. ويرجع ذلك إلى احتوائه على مركبات طبيعية، أبرزها مادة الجليسيريزين، التي تمنحه مذاقه الحلو المميز وخصائصه الفعالة في دعم الصحة.
وأضافت الدكتورة مها أن طبيعة العرقسوس المنعشة تجعله خيارًا مفضلًا لكسر الصيام، خاصة في الطقس الحار، حيث يمنح شعورًا سريعًا بالانتعاش دون الحاجة إلى كميات كبيرة. كما أنه يساعد في تعويض ما فقده الجسم خلال النهار، مما يجعله مشروبًا أساسيًا على موائد الإفطار.
فوائد العرقسوس لصحة الصائمين
يتميز العرقسوس بفوائد صحية متعددة تجعله مشروبًا قيمًا خلال شهر رمضان. وفيما يلي أبرز هذه الفوائد:
- دعم صحة الجهاز الهضمي: يُعتبر العرقسوس من المشروبات الداعمة لصحة الجهاز الهضمي؛ إذ يساعد في تهدئة التهابات المعدة، وتقليل الشعور بالحموضة، ودعم بطانة المعدة وحمايتها من التقرحات، وتخفيف أعراض عسر الهضم. وتُظهر بعض الدراسات أن مستخلص العرقسوس منزوع الجليسيريزين (DGL) يُستخدم في دعم علاج قرحة المعدة.
- تعزيز صحة الجهاز التنفسي: من الفوائد المعروفة للعرقسوس قدرته على تهدئة السعال وتخفيف التهابات الحلق؛ لذلك كان يُستخدم قديمًا كمشروب دافئ في حالات نزلات البرد. فهو يحتوي على مركبات ذات خصائص مضادة للالتهاب ومهدئة للأغشية المخاطية.
- دعم صحة الكبد: تشير أبحاث حديثة إلى أن بعض مركبات العرقسوس قد تسهم في دعم وظائف الكبد وتقليل الالتهابات المرتبطة به. ويُعتقد أن خصائصه المضادة للأكسدة تلعب دورًا في حماية خلايا الكبد من الإجهاد التأكسدي.
- تنظيم مستويات الطاقة: بفضل مذاقه الحلو الطبيعي، يمنح العرقسوس شعورًا بالطاقة دون الحاجة لإضافة سكر. كما يُعتقد أن له تأثيرًا خفيفًا داعمًا للغدة الكظرية، ما يساعد بعض الأشخاص على مقاومة الشعور بالإرهاق.
أضرار العرقسوس المحتملة
رغم فوائده الصحية، يجب التنبيه إلى أن الإفراط في تناول العرقسوس قد يحمل بعض الأضرار، خاصة لدى فئات معينة من الناس. ويرتبط معظم هذه الأضرار بمركب الجليسيريزين الموجود في جذور النبات. وفيما يلي أبرز المخاطر:
- ارتفاع ضغط الدم: قد يؤدي تناول العرقسوس بكميات كبيرة إلى رفع ضغط الدم، بسبب احتباس الصوديوم وفقدان البوتاسيوم في الجسم.
- نقص البوتاسيوم في الدم: الاستهلاك المفرط قد يسبب انخفاض مستويات البوتاسيوم، مما يؤدي إلى ضعف العضلات وتشنجات واضطرابات في ضربات القلب.
- احتباس السوائل: بسبب تأثيره على توازن الأملاح، قد يؤدي إلى تورم في القدمين أو الوجه، خاصة عند من يعانون من مشكلات في الكلى أو القلب.
- تأثيره على الحوامل: لا يُنصح للحوامل بتناول العرقسوس بكميات كبيرة، إذ قد يرتبط بزيادة خطر الولادة المبكرة أو التأثير على نمو الجنين.
نصائح للاستهلاك الآمن
للحصول على فوائد العرقسوس بأفضل صورة، يُفضل تحضيره بطريقة تقليدية دون إضافة كميات كبيرة من السكر. ويمكن نقع مسحوق العرقسوس في ماء بارد مع القليل من بيكربونات الصوديوم، ثم تصفيته جيدًا وتركه في الثلاجة حتى يبرد. كما ينبغي الاعتدال في الكمية، حيث أن كوبًا واحدًا يوميًا قد يكون كافيًا للاستمتاع بمذاقه وفوائده دون تعريض الجسم لأي آثار جانبية محتملة.
وبشكل عام، يظل الاعتدال هو القاعدة الذهبية في تناول العرقسوس، مما يسمح بالاستفادة من كنوز الطبيعة البسيطة التي تحمل سر العافية، مع الحفاظ على التراث الرمضاني الأصيل.