في إطار سلسلة مقالات بمناسبة مرور 200 عام على تأسيس قصر العيني، واحتفاءً بهذه الذكرى العريقة، أطلق القصر سلسلة أسبوعية تستعرض حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر. وتأتي هذه المقالات لتسلط الضوء على رحلة القسم الطبي وكيف فرضت المدرسة هوية مصرية أصيلة على الممارسة الطبية.
رحلة القسم الطبي وفرض الهوية المصرية
لم تكن الممارسة الطبية في تاريخ الطب مجرد علم يلقن في قاعات الدراسة، بل كانت دائماً رسالة إنسانية تحكمها أخلاقيات صارمة وقيم تضمن قدسية المهنة. وتتجلى هذه الفلسفة الأخلاقية عبر العصور في القسم الطبي الذي يؤديه الأطباء قبل ولوجهم هذا العالم الإنساني الرحب. ولفهم جذور هذه الأخلاقيات وتطورها وكيف امتزجت بالثقافة الطبية المصرية الحديثة التي قادها قصر العيني منذ بداياته الأولى في أبو زعبل، يجب التأمل في الإرث العالمي الذي مهد الطريق لبروز القسم المصري الأصيل.
في العالم القديم، مثّل قسم أبقراط الحجر الأساس لأخلاقيات الطب العالمية؛ حيث صاغ المبادئ الأولى للعلاقة بين الطبيب وأستاذه ومرضاه. وارتكز هذا القسم اليوناني على الالتزام بنظام علاجي يحمي المرضى من الأذى والضرر، والامتناع التام عن إعطاء الأدوية المميتة أو المجهضة، وصون أسرار الناس، مع تقديم القسم بالآلهة الإغريقية كشهود على هذا العهد، واعتبار الأستاذ في منزلة الوالد ومشاركته العيش.
العبقرية المصرية تعيد صياغة القسم الطبي
بالرغم من عالمية المبادئ الأبقراطية، إلا أن العبقرية المصرية أعادت صياغتها بالكامل لتتنفس بروح المجتمع وثقافته. فحين بدأت النهضة الطبية الحديثة في مصر على يد محمد علي باشا وتأسيس مدرسة الطب في أبو زعبل عام 1827 بقيادة كلوت بك (والتي انتقلت لاحقاً لتصبح قصر العيني)، كان لا بد من ميثاق يتماشى مع قيم المجتمع المصري والعربي وعقيدته، وفي الوقت ذاته يحافظ على الجوهر الإنساني للمهنة.
مدرسة مونبلييه الفرنسية
وهكذا ظهرت الوثيقة التاريخية الشهيرة المترجمة عن الفرنسية لعام 1832، والتي تمثل صيغة مدرسة مونبلييه الفرنسية مع تعديلات عميقة أملتها العقيدة والظروف المحلية لتبرز الخصوصية الأخلاقية المصرية. حيث نصت الوثيقة: أقسم باسم الله العلي العظيم، وبنبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم الذي عظم الله مجده، أقسم على كتاب الله المقدس القرآن، وبحضور أساتذة هذه المدرسة، وزملائي الأعزاء، وأمام تمثال أبقراط، أن أكون مخلصاً لقوانين الشرف والأمانة والإحسان في ممارسة الطب. سأقدم رعايتي مجاناً للفقراء، ولن أطلب أبداً أجراً يفوق قيمة عملي. وإذا قبلت في داخل البيوت، فلن ترى عيناي ما يجري فيها، وسيلتزم لساني بكتمان الأسرار التي تعهد إلي. لن يستخدم فني أبداً في إفساد الأخلاق، ولا في تشجيع الجريمة. ولن أنساق لأي إغراء، وتحت أي ذريعة، لوصف أي سم كان لأي شخص؛ ولن أصرف ولن أنصح النساء الحوامل أبداً بأي أدوية ضارة قادرة على التسبب في الإجهاض أو حدوثه. سأظل محترماً ومعترفاً بجميل أساتذتي، وسأرد لأبنائهم التعليم الذي تلقيته من آبائهم. فليمنحني الناس تقديرهم إذا كنت وفياً لقسمي؛ وليحل علي الخزي والتحقير من زملائي إذا خنته. الله شهيد على ما أقول.
الريادة الطبية المصرية
إن تأمل هذه الكلمات البليغة يوضح كيف صاغت مصر ريادتها الطبية الفريدة ومنحتها تفوقاً أخلاقياً ملموساً. فالقسم المصري لم يقف عند حدود الشعارات النظرية، بل عمّق المسؤولية المجتمعية والوطنية بنصه الصريح والسبّاق على مجانية علاج الفقراء، وصون حرمة البيوت العربية وكتمان أسرارها، والامتناع التام عن إفساد الأخلاق أو وصف السموم والعقاقير المجهضة، مع الحفاظ على قدسية توارث الحكمة الطبية ورد الجميل للأساتذة. هذا المزيج العبقري الذي جمع بين الرمزية التاريخية للعلم وبين العقيدة والتقاليد المحلية، هو ما جعل مدرسة الطب المصرية منطلقاً لنهضة شاملة، وجسراً عبرت منه المعارف الحديثة إلى الشرق بأكمله، معبراً عن قوة مصر الناعمة.



