حديثي في هذا المقال عن أعظم يوم من أيام الدنيا، وهو يوم عرفة، وعن فضل ذلك اليوم العظيم، والمعنى والسر في قول الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "الحج عرفة".
فضل يوم عرفة
فضل يوم عرفة فضل عظيم لا يسعه الوصف، ولا تسعه الكلمات، فهو اليوم المشهود الذي أقسم به عز وجل حيث قال سبحانه: "وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ"، فالشاهد هو رسول الله، والمشهود يوم عرفة، وهو أعظم أيام الدنيا. ففيه قال الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة، ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا، أي يتجلى الله فيه فيباهي بأهل الأرض أهل السماء". وفي رواية: "إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته فيقول سبحانه: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي قد آتوني -أي جاءوني- شعثا غبرا".
وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة -أي نعمة الإسلام- ففيه أنزل الله تعالى قوله سبحانه: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا". ومن فضائل هذا اليوم العظيم المشهود ما أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه تعالى ليدنو -أي يتجلى- ويقترب من الحجيج ثم يباهي بهم الملائكة".
وهو يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار، وهو اليوم الذي يقف فيه الحجيج على الصعيد الطاهر بنية طلب العفو والصفح والمغفرة من الله عز وجل.
فضل صيام يوم عرفة
عن فضل صيام يوم عرفة لمن لم يكن من أهل الوقفة والمشهد، يقول عليه الصلاة والسلام: "أحتسب عند الله أن يكفر لمن صامه السنة التي قبله والسنة التي بعده". وما رئي الشيطان يوما أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وذلك لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام أي الكبائر، وفيه يحثو الشيطان التراب على رأسه وهو يقول صارخا: يا ويلتاه، أضلهم طيلة العام ويغفر الله لهم في يوم واحد.
معنى وسر قول "الحج عرفة"
أما عن المعنى والسر في قول الرسول "الحج عرفة"، فإن المعنى في قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام معنى عزيز لا يدرك إلا ذوقا أو حالا -أي بالتذوق والمعايشة-. فهو معنى عزيز وفيه سر يكمن فيه مراد الله تعالى من خلق الجن والإنس، وهو عبادته عز وجل لقوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"، والغاية من العبادة الوصول إلى فتح باب المعرفة به سبحانه، كما جاء في قول حبر الأمة سيدنا عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، في معنى الآية الكريمة، قال: أي ما خلق الله تعالى الجن والإنس إلا ليعرفوه سبحانه، فالعبادة سبيل إلى المعرفة، والمعرفة بالله هي أقصى الغايات والعلم به سبحانه، أسمى وأشرف وأجل وأقدس العلوم.
وفي قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله: "الحج عرفة" إشارة إلى من قصده سبحانه وطلبه وأقبل عليه بدفع الحب الخالص وبإخلاص الوجهة والصدق في الطلب عرفه به سبحانه، أي فتح له باب المعرفة به والتعرف عليه عز وجل.
الحكمة من ترتيب أركان الإسلام
ولقد كانت من حكمة ودقة وإتقان الرسول في ترتيب أركان الإسلام الخمس، والتي تبدأ بالعقيدة والإيمان بوجود الله جل جلاله وتوحيده والإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، ثم إقامة حلقة الوصل والاتصال به تبارك في علاه من خلال الركن الثاني وهو إقام الصلاة، ثم السعي لتزكية النفس وشفائها من البخل والشح والحرص وحب الدنيا بالبذل والإنفاق والجود والكرم والسخاء وهو ما يتعلق بالركن الثالث. ثم ارتقاء الإنسان وسموه من العالم المادي البشري ومتطلبات الجسد من مآكل ومشارب وتهذيب الغرائز والشهوات وصيانة الجوارح من معصية الله والسمو إلى العالم الملائكي بإقامة الركن الرابع وهو الصيام، كل ذلك يؤهل العبد إلى التجرد من زينة الدنيا ومتاعها والزهد فيها، والإقبال على ربه تعالى ومولاه جل في علاه متجردا مما سواه ساعيا إليه ومقبلا عليه سبحانه وقاصدا له طالبا عفوه ومغفرته ورحمته ورضاه، متطلعا إلى وصله تعالى ووصاله والمقام في حضرة القرب على بساط الأنس. هنا يقابل الله تعالى إقبال العبد بإقباله سبحانه فيفتح الله جل جلاله باب المعرفة به فيشرق على قلبه بالأنوار والعلوم والمعارف والأسرار، من هنا يتجلى معنى وسر قول الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الحج عرفة)، فمن قصده بحب وصدق وإخلاص فتح له باب المعرفة به جل جلاله.



