"الحرب الإيرانية" تفتح الطريق أمام هيمنة بكين على سوق الطاقة النظيفة
الحرب الإيرانية تفتح الطريق لهيمنة الصين على الطاقة النظيفة

تجد الدول الحليفة للولايات المتحدة نفسها اليوم أمام معادلة معقدة، بعدما أدت الضربات الأمريكية على إيران إلى ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، الأمر الذي كشف عن حقيقة قاسية مفادها أن مسار الهروب من صدمات الوقود الأحفوري يقود، بشكل أو بآخر، إلى الاعتماد على الصين.

الطاقة المتجددة الخيار الاستراتيجي لحماية الاقتصاد من التقلبات العالمية

وفق تقرير لصحيفة بوليتيكو، بادرت حكومات العديد من الدول، من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إلى كوريا الجنوبية والفلبين، بالدعوة إلى تسريع التحول وتوسيع البنية التحتية للطاقة النظيفة، استجابة للارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز التي تفاقمت نتيجة الحرب. ورغم أن هذا التوجه لا يوفر حلولا فورية لارتفاع التكاليف، فإن صانعي السياسات يرون في مصادر الطاقة النظيفة المحلية، مثل الطاقة المتجددة والطاقة النووية، خيارا استراتيجيا طويل الأمد لحماية اقتصاداتهم من تقلبات الأسواق العالمية.

إلا أن هذا التحول يحمل في طياته مفارقة واضحة، فكلما تسارعت وتيرة خفض الانبعاثات، ازداد الاعتماد على الصين، التي تهيمن على سلاسل إمداد التكنولوجيا النظيفة والمعادن الحيوية. يسيطر التنين الصيني على الحصة الأكبر من إنتاج الألواح الشمسية والمكونات الأساسية لها، فضلا عن دوره المحوري في تكرير المعادن النادرة والمواد المستخدمة في البطاريات.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

بروكسل تدعو إلى زيادة الإنفاق على التكنولوجيا الخضراء

تعتبر الصحيفة الأمريكية أن هذه الحقيقة تضع الحكومات أمام خيار صعب: هل تتغاضى عن المخاوف المرتبطة بالاعتماد على الصين مقابل تعزيز أمنها الطاقي، أم تستمر في اتخاذ إجراءات لحماية صناعاتها المحلية؟ عبر مفوض الصناعة في الاتحاد الأوروبي، ستيفان سيجورنيه، عن هذا التحدي بوضوح حين تساءل: كيف يمكن إقناع المواطنين بأن إزالة الكربون فرصة اقتصادية، بينما يجري تصنيع البطاريات في الصين؟ وهو ما دفع بروكسل إلى اقتراح تشريعات جديدة لزيادة الإنفاق على التكنولوجيا الخضراء المنتجة محليا، والحد من الاستثمارات الأجنبية المهيمنة.

ويشير التقرير إلى أنه لطالما تبنى الاتحاد الأوروبي سياسات حذرة تجاه الواردات الصينية، إذ يسعى إلى حماية صناعاته من المنافسة غير المتكافئة عبر أدوات مثل ضريبة الكربون على الواردات. وفي السياق ذاته، منعت بريطانيا مؤخرا شركة صينية من بناء مصنع ضخم لتوربينات الرياح في أسكتلندا لأسباب تتعلق بالأمن القومي. ورغم هذه التحفظات، تسعى العديد من الدول، بما فيها حلفاء واشنطن، إلى تعزيز علاقاتها مع بكين؛ فقد كثف قادة ومسؤولون من ألمانيا وإسبانيا وكندا ودول أخرى زياراتهم إلى الصين بهدف جذب الاستثمارات وتأمين الوصول إلى المواد الخام الحيوية. كما امتدت هذه التحركات إلى دول خارج الغرب، مثل الهند والإمارات وكوبا، التي تعتمد بالفعل على التكنولوجيا الصينية لتعويض نقص الطاقة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

هيمنة الصين على إنتاج الألواح الشمسية وتكرير المعادن

في هذا السياق، يرى دبلوماسيون وخبراء أن المخاوف من الاعتماد على الصين لا ينبغي أن تعرقل التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، خاصة في ظل الحاجة الملحة لمواجهة تغير المناخ. فوفقا لبعض التقديرات، تمثل الصين اليوم ما يقرب من 80% من إنتاج الألواح الشمسية عالميا، بينما تهيمن على نحو 90% من عمليات تكرير المعادن الأرضية النادرة. لكن هذه الهيمنة تثير مخاوف متزايدة، سواء من حيث المنافسة الصناعية أو الأمن القومي. وسبق أن فرضت الصين قيودا على تصدير بعض المعادن الحيوية ردا على سياسات تجارية أمريكية، مما أثار قلقا بشأن استقرار سلاسل الإمداد، كما أثيرت تساؤلات حول مخاطر أمنية محتملة في بعض مكونات التكنولوجيا المستوردة.

في المقابل، لجأت عدة دول إلى فرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية والمنتجات الصناعية الصينية في محاولة لحماية أسواقها المحلية، إلا أن هذه السياسات تأتي بثمن، إذ إن المنتجات الأوروبية أو الأمريكية غالبا ما تكون أعلى تكلفة، مما قد يبطئ وتيرة التحول الطاقي. ويحذر خبراء من أن التركيز المفرط على الإنتاج المحلي قد يعرقل جهود خفض الانبعاثات، نظرا لأن التكنولوجيا الصينية منخفضة التكلفة تمثل عنصرا حاسما في تسريع الانتشار. وفي الواقع، تجد العديد من الدول أن تحقيق انتقال سريع نحو الطاقة النظيفة دون الاستفادة من سلاسل الإمداد الصينية يكاد يكون مستحيلا.

تبرز أمثلة عدة على ذلك، منها باكستان التي استفادت من الألواح الشمسية الصينية لتخفيف أزمة الطاقة، وإسبانيا التي عززت استثمارات صينية في قطاع الطاقة لديها، فضلا عن كندا التي خففت قيودها على السيارات الكهربائية الصينية مقابل مكاسب تجارية أخرى. ويرى محللون أن الاعتماد على التكنولوجيا النظيفة يختلف جذريا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري، إذ إن شراء معدات مثل الألواح الشمسية يمثل استثمارا طويل الأمد، على عكس الحاجة المستمرة لاستيراد النفط والغاز.

تباين الرؤى بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين

في هذا السياق، تتباين الرؤى بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. فبينما تركز واشنطن على تعزيز إنتاج الوقود الأحفوري والتعاون مع حلفائها في هذا المجال، تميل أوروبا إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة كوسيلة لتعزيز الاستقلالية. وقد أدت الحرب في إيران إلى إعادة تشكيل هذا الجدل، حيث يرى بعض الساسة الأمريكيين أن الأزمة تدفع الدول نحو الصين، التي تتصدر بالفعل مجالات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.

المفوضية الأوروبية: التحول الأخضر لا يعني بالضرورة الاعتماد على الصين

في المقابل، تؤكد المفوضية الأوروبية أن التحول الأخضر لا يعني بالضرورة زيادة الاعتماد على بكين، بل يمكن أن يشكل فرصة لإعادة التوازن في العلاقات الاقتصادية عالميا. ومع ذلك، لا تتفق جميع الدول الأوروبية على هذا التوجه، إذ يحذر بعض القادة من أن السياسات الصناعية الصينية المدعومة من الدولة تهدد الصناعات الأوروبية، خاصة في قطاعات مثل الصلب والكيماويات والتكنولوجيا النظيفة. وتظل مسألة المعادن الحيوية إحدى أبرز نقاط القلق، نظرا لأهميتها الاستراتيجية في مجالات الدفاع والتكنولوجيا، وهو ما يدفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل، سواء عبر تطوير مواردها المحلية أو تعزيز التعاون مع شركاء آخرين.

على الجانب الآخر، تتبنى دول أخرى، خاصة في آسيا، نهجا براجماتيا يقوم على الاستفادة من التكنولوجيا الصينية منخفضة التكلفة في المدى القصير، مع العمل على بناء قدرات إنتاجية محلية على المدى الطويل. ويعتمد هذا النموذج على جذب الاستثمارات الصينية مع تحقيق مكاسب اقتصادية محلية، مثل توفير فرص العمل ونقل المعرفة.

وتختتم الصحيفة الأمريكية تقريرها بالقول إن حرب إيران كشفت عن تحولات عميقة في مشهد الطاقة العالمي، حيث لم يعد الصراع يقتصر على مصادر الوقود، بل امتد إلى سلاسل إمداد التكنولوجيا النظيفة. وفي هذا السياق، يبدو أن الصين نجحت في ترسيخ موقعها كمحور رئيسي في مستقبل الطاقة، مستفيدة من مزيج من الكلفة المنخفضة والقدرات الصناعية المتقدمة، في وقت لا تزال فيه الدول الأخرى تبحث عن توازن دقيق بين الاستقلالية الاقتصادية ومتطلبات التحول الأخضر.