مع تصاعد أزمات الطاقة عالمياً وارتفاع معدلات الطلب، تتجه حكومات العالم إلى تبنّي سياسات أكثر صرامة لترشيد استهلاك الكهرباء والوقود، في محاولة لتخفيف الضغوط على شبكات الطاقة وتقليل التكاليف. وتتنوع هذه الإجراءات بين قرارات حكومية ملزمة وحملات توعية، لتشمل الأفراد والشركات على حد سواء، في ظل تصدر دول كبرى مثل الصين والولايات المتحدة والهند قائمة الأعلى استهلاكاً للطاقة عالمياً.
وتعكس التحركات الأخيرة تحولاً واضحاً نحو تغيير أنماط الاستهلاك، حيث تشمل السياسات العالمية التوسع في العمل من المنزل، وخفض استخدام أجهزة التكييف، وتقليل الإضاءة، إلى جانب تسريع الاعتماد على الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة. وبدأت عدة دول في أوروبا تطبيق حزم جديدة لترشيد الاستهلاك خلال الأسابيع الماضية، ركزت على خفض الإضاءة في الشوارع والمباني العامة، وتقليص ساعات تشغيل الإنارة الليلية، كما حدث في فرنسا. كذلك فرضت إسبانيا قيوداً على استخدام التدفئة داخل المؤسسات الحكومية والمراكز التجارية، مع توجيه المواطنين لتقليل استهلاك الكهرباء في المنازل، خاصة خلال ساعات الذروة.
بريطانيا: خفض استخدام التدفئة والاعتماد على الأجهزة الموفرة للطاقة
ولجأت الحكومة في بريطانيا إلى مزيج من التوعية والدعم، عبر إطلاق حملات لحث المواطنين على تقليل الاستهلاك، بالتوازي مع تقديم مساعدات مالية للفئات الأكثر تضرراً. وشملت الإجراءات خفض استخدام التدفئة، والاعتماد على الأجهزة الموفرة للطاقة، وإطفاء الإضاءة غير الضرورية. وعلى مستوى الشركات، تم تبنّي سياسات لترشيد الطاقة دون التأثير على الإنتاج، وهو ما ساهم في خفض الاستهلاك.
فرنسا: تقليل إضاءة الشوارع والمعالم السياحية ليلاً وإطفاء الإعلانات المضيئة
وتبنّت الحكومة الفرنسية خطة تضمنت تحديد درجات التدفئة في المباني عند مستويات معتدلة، وتقليل الإضاءة في الشوارع والمعالم السياحية ليلاً، وإلزام المتاجر بإطفاء الإعلانات المضيئة بعد ساعات العمل. كما شجّعت الخطة استخدام وسائل النقل العام بدلاً من السيارات الخاصة، والتوسع في الأجهزة الموفرة للطاقة، إلى جانب تحفيز القطاع الصناعي على تحسين كفاءة الاستهلاك، ما أدى إلى خفضه بنحو 12%.
وعلى المستوى الآسيوي والدولي، اتخذت عدة دول إجراءات متنوعة لمواجهة الأزمة، حيث دعت أستراليا المواطنين إلى استخدام وسائل النقل العام لتقليل استهلاك الوقود، بينما قلّصت باكستان التنقلات غير الضرورية وخفّضت مخصصات الوقود الحكومية بنسبة 50%، إلى جانب تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام، وتشغيل المؤسسات بنصف طاقتها البشرية. وفي بنجلاديش، تم تقليص ساعات العمل في المكاتب والبنوك إلى 7 ساعات يومياً، مع فرض إغلاق مبكر لمراكز التسوق، وتقليل الإضاءة غير الضرورية، وحظر الإضاءة الزخرفية في الفعاليات، ضمن خطة شاملة لتقليل استهلاك الكهرباء والوقود. أما الهند، فاتجهت إلى إجراءات اقتصادية وتنظيمية، شملت خفض الضرائب على الوقود، وفرض رسوم استثنائية على بعض المنتجات البترولية، إلى جانب إعادة توجيه إمدادات الغاز نحو القطاعات ذات الأولوية، وزيادة إنتاج غاز البترول المسال لتلبية الطلب المحلي.
وفي جنوب شرق آسيا، ركزت فيتنام على التوسع في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية بالمنازل، بينما أعلنت الفلبين حالة الطوارئ لمواجهة ضغوط الطاقة، وأطلقت حملات توعية بالتعاون مع كوريا الجنوبية لترشيد الاستهلاك. كما اتجهت تايلاند إلى تقليل استخدام أجهزة التكييف، فيما فرضت الأردن قيوداً على استخدام المركبات الحكومية.
وفي سياق متصل، دعا رئيس الوزراء الأسترالي المواطنين إلى تقليل استهلاك الوقود والاستعداد لفترة صعبة، مشدداً على أهمية التحول إلى وسائل النقل العام، في ظل اضطرابات أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، مؤكداً أن الترشيد الطوعي يسهم في الحفاظ على الاحتياطيات وتوجيه الموارد لمن هم في حاجة أكبر.
خبير: الحكومة المصرية عملت على بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً واستدامة
من جانبه يرى الدكتور محمد عبدالفتاح، استشاري الاستدامة واستراتيجيات الطاقة المتجددة، أن الأزمة التي تعرض لها العالم الأشهر الأخيرة كشفت عن مدى تأثر أسواق الطاقة بأي اضطراب أمني، حيث قفزت المخاوف من تعطل إمدادات النفط والغاز، ما دفع العديد من الدول إلى تسريع سياسات الترشيد كأداة فورية لتقليل الضغط على الطلب، وتفادي صدمات الأسعار. ففي أوروبا على سبيل المثال، أعادت الحكومات تفعيل خطط الطوارئ التي طُبقت سابقاً خلال أزمة الغاز الروسية، مثل خفض استهلاك الكهرباء في المباني الحكومية، وتحديد درجات التدفئة والتبريد، وتشجيع العمل عن بعد لتقليل استهلاك الوقود.
وأشار «عبدالفتاح» إلى أن الدول الأوروبية اتخذت حزمة واسعة من الإجراءات التفصيلية لترشيد استهلاك الطاقة، مدفوعة بتداعيات الأزمات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الوقود. فعلى المستوى الحكومي، فرضت عدة دول مثل ألمانيا وفرنسا حدوداً قصوى لاستهلاك الطاقة في المباني العامة، حيث تم خفض درجات التدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف، وإطفاء الإضاءة في المعالم السياحية بعد ساعات محددة.
وأوضح استشاري الاستدامة، في تصريحات لـ«الوطن»، أن بعض الحكومات ألزمت الشركات والمؤسسات التجارية بإغلاق الأبواب أثناء تشغيل أجهزة التكييف، للحد من الفاقد. وفي القطاع الصناعي، قدمت الحكومات الأوروبية حوافز مالية للشركات التي تعتمد تقنيات موفرة للطاقة أو تحقق نسب خفض محددة في الاستهلاك، إلى جانب فرض ضرائب إضافية على الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة لدفعها نحو التحول لكفاءة أعلى. كما تم دعم برامج إعادة تأهيل المباني القديمة عبر تحسين العزل الحراري وتركيب نوافذ مزدوجة، ما يساهم في تقليل استهلاك الطاقة على المدى الطويل.
أما على مستوى الأفراد، فقد تم إطلاق حملات توعية واسعة تشجع على تغيير السلوكيات اليومية، مثل تقليل استخدام الأجهزة الكهربائية في أوقات الذروة، والاعتماد على وسائل النقل العام أو الدراجات. ووفرت بعض الدول تطبيقات رقمية تتيح للمستهلكين متابعة استهلاكهم للطاقة بشكل لحظي، ما يعزز من وعيهم وقدرتهم على التحكم فيه. وفي إطار التحول الهيكلي، سرعت أوروبا الاستثمار في الطاقة المتجددة، خاصة طاقة الرياح البحرية والطاقة الشمسية، لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، كما توسعت في إنشاء شبكات كهرباء ذكية تسمح بإدارة الأحمال بكفاءة، وتخزين الطاقة الفائضة.
وأضاف أن دولاً آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية اتجهت إلى إطلاق حملات توعية واسعة النطاق تستهدف الأفراد والصناعات، مع تقديم حوافز للشركات التي تحقق خفضاً ملموساً في استهلاك الطاقة. والصين بدورها عززت من كفاءة استخدام الطاقة في القطاع الصناعي، الذي يعد الأكبر استهلاكاً، عبر تحديث خطوط الإنتاج والاعتماد على تقنيات أقل استهلاكاً. واللافت في هذه التجارب أن الترشيد لم يعد مجرد استجابة مؤقتة، بل أصبح جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لإعادة هيكلة الطلب على الطاقة، فالدول المتقدمة باتت تنظر إلى كل وحدة طاقة يتم توفيرها على أنها «مصدر طاقة افتراضي» يعادل في أهميته إنتاج النفط أو الغاز.
وأشار «عبدالفتاح» إلى أن التجربة المصرية تبرز كنموذج متوازن يجمع بين الترشيد والتوسع في مصادر الطاقة البديلة. فقد أطلقت الحكومة المصرية خلال الفترة الماضية عدة دعوات رسمية لترشيد استهلاك الكهرباء، خاصة في أوقات الذروة، مع التركيز على تغيير السلوك الاستهلاكي سواء في المنازل أو المؤسسات. وشملت هذه الجهود إجراءات عملية مثل ترشيد الإنارة العامة، وضبط درجات التكييف، وتحسين كفاءة الأجهزة الكهربائية.
وأكد خبير الاستدامة أن مصر لم تكتف بالترشيد كحل مؤقت، بل عملت بالتوازي على بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً واستدامة. ففي مجال الطاقة المتجددة، حققت مصر تقدماً ملحوظاً، خاصة في مشروعات الطاقة الشمسية مثل مجمع «بنبان» في أسوان، الذي يعد أحد أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم. كما توسعت في مشروعات طاقة الرياح في مناطق مثل جبل الزيت وخليج السويس، مستفيدة من الموقع الجغرافي المميز الذي يوفر سرعات رياح عالية.
وأضاف «عبدالفتاح» أن هذه المشروعات لا تسهم فقط في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بل تعزز أيضاً من قدرة الدولة على مواجهة الأزمات العالمية، حيث توفر مصادر طاقة مستقرة وغير مرتبطة بالتقلبات السياسية أو الجغرافية. إلى جانب ذلك تتجه مصر نحو إدخال مصادر جديدة مثل الهيدروجين الأخضر، في إطار رؤية طموحة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة. ومن زاوية استراتيجية، يمكن القول إن الجمع بين الترشيد والتوسع في الطاقة المتجددة يمثل «المعادلة الذهبية» لتحقيق أمن الطاقة، فالترشيد يقلل من الضغط على الموارد الحالية، بينما توفر الطاقة النظيفة بديلاً مستداماً على المدى الطويل، وهذه المعادلة باتت محل توافق عالمي، خاصة في ظل تسارع التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الوقود التقليدي.



