حكايات المعز وجوهر الصقلي.. الروايات التاريخية وراء ظهور فانوس رمضان
حكايات المعز وجوهر الصقلي.. أصول فانوس رمضان التاريخية

حكايات المعز وجوهر الصقلي.. الروايات التاريخية وراء ظهور فانوس رمضان

فانوس رمضان… طعم رمضان ورائحته يختبئان دائمًا في الأشياء القديمة التي تحولت إلى أيقونات خالدة؛ مثل صوت سيد النقشبندي، ومسلسل بكار، ورائحة الكنافة البلدي؛ لذلك، ورغم انتشار الفوانيس البلاستيكية الحديثة ذات الألوان الزاهية، يظل فانوس الصاج خيارًا لا غنى عنه لعشاق التراث؛ فهو ليس مجرد قطعة ديكور، بل يحمل مشاعر الحنين والدفء.

الفانوس التقليدي: من القنديل إلى أيقونة رمضانية

يعد فانوس رمضان من أشهر أيقونات الشهر الكريم، وقد انتشر استخدامه في الشوارع والحارات وأمام المنازل وفي الشرفات. بألوانه الزاهية وصناعته البسيطة يحمل بصمات التاريخ والصانع المصري. وبعد أن ألغت الدولة استيراد الفوانيس، عاد المنتج المحلي إلى الواجهة. كان الفانوس قديمًا هدية الفقراء في رمضان، لكنه اليوم ارتفع سعره شأنه شأن كثير من السلع، ومع ذلك يظل لفانوس رمضان عالمه الخاص وتاريخه الممتد.

تبدأ رحلة الفانوس من أحياء مصر القديمة التي عُرفت بصناعته، من بركة الفيل في السيدة زينب إلى منطقة تحت الربع، المركز الرئيسي لتجمع ورش تصنيعه وتجارته. ومن أشهر أشكاله «فانوس فاروق»، وهو الاسم التاريخي للفانوس التقليدي ذي الأضلاع الأربعة والقبة والعليقة. ثم تطور ليأخذ شكلًا نصف دائري، وأُضيف إليه ضلع خامس ليصبح «المخمّس». وبعد ذلك ظهرت أشكال «المقرنس» و«النجم» و«شق البطيخة» و«عفركوش» و«الصاروخ» الذي أُطلق عليه لاحقًا «فانوس شويبس»، وقفز سعره من القروش إلى الجنيهات.

روايات تاريخية لارتباط الفانوس برمضان

اشتُقت كلمة «فانوس» من اللفظ اليوناني «فانوس» بمعنى مصباح، وكان يُستخدم قديمًا كوسيلة للإضاءة. واتخذ تصميمه الأول قاعدة خشبية أو معدنية صغيرة وثلاثة أبواب معدنية يتوسطها فتيل مشتعل. وكان الأطفال يجتمعون حوله بعد المغرب، ينشدون الأغاني ويدورون على المحال طلبًا لـ«العادة» أو «البقشيش»، وهي مبالغ بسيطة أو حلوى يوزعها أصحاب المتاجر.

ظهرت عدة روايات حول ارتباط الفانوس بشهر رمضان، منها أن دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة كان في أول أيام رمضان، وجاء ليلًا، فخرج الناس لاستقباله وهم يحملون الفوانيس. وتقول رواية أخرى: إن الخليفة العاضد لدين الله كان يخرج لاستطلاع هلال الشهر ومعه العلماء الفلكيون يحملون الفوانيس، فارتبطت هذه العادة بالشهر الكريم.

وتعود إحدى القصص إلى رمضان عام 358 هـ، حين أمر القائد جوهر الصقلي الناس بالخروج لاستقبال الخليفة حاملين الشموع، ولحمايتها من الانطفاء وُضعت داخل هياكل خشبية محاطة بالسعف والجلد الرقيق، فأُطلق عليها اسم «فانوس». تُعد قصة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله من أغرب الروايات؛ إذ أمر بعدم خروج نساء القاهرة ليلًا إلا في رمضان لأداء صلاة التراويح، على أن يتقدم السيدة صبي يحمل قنديلًا مضاءً لينبه المارة، وفرض غرامات على المخالفين. ومع مرور الوقت، تحول الفانوس في أيدي الصبية إلى عادة رمضانية يرحبون بها بالشهر الفضيل جيلًا بعد جيل.

الفانوس كرمز للأحداث المجتمعية

أيًّا كان أصل الفانوس، فإنه يظل رمزًا خاصًا بشهر رمضان في مصر، ينتقل من جيل إلى جيل، ويحمله الأطفال في الشوارع، بينما يعلّقه الكبار على الشرفات وأمام البيوت وحتى على الأشجار. لا تكتمل صورة الشهر الفضيل دون الفانوس، فهو جزء من عاداته وتراثه. وقد أبدع الصناع في تقديمه بأشكال هندسية مستوحاة من أحداث سياسية وفنية وقضايا مجتمعية.

  • ظهر «فانوس الملك فاروق»، و«عروسة البحر»، ومع تنحي حسني مبارك ظهر «فانوس مبارك».
  • مع تولي محمد مرسي ظهر «فانوس مرسي». وفي أوقات الحرب ظهر «فانوس العسكري».
  • كما ظهرت أشكال مثل «بوجي وطمطم»، و«أبو العيال»، و«التوك توك»، و«الفلسطيني»، و«محمد صلاح» لاعب منتخب مصر، وغيرها من الأشكال التي تعكس نبض الشارع.

تطور صناعة الفانوس: من الصفيح إلى الزيت

يُصنع فانوس رمضان المصري التقليدي من الصاج الذهبي أو الأبيض والزجاج الملون المنقوش، ويُضاء بشمعة، معبرًا عن روح الأصالة والجو الرمضاني الدافئ. شهدت صناعة الفانوس ركودًا مع استيراد كميات كبيرة من الفوانيس الصينية التي تعتمد على الإضاءة والموسيقى والحركة، قبل أن تتنبه الدولة لذلك وتصدر قرارًا بمنع استيراد فوانيس رمضان دعمًا للصناعة المحلية.

ومع ارتفاع أسعار بطاريات الشحن، بدأت المتاجر والعلامات التجارية ومواقع التجارة الإلكترونية في عرض تشكيلات جديدة لعام 2026، أبرزها «فوانيس الزيت» ذات التصميمات البراقة والجذابة. وقد لاقت هذه الفوانيس إعجابًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وطرحت بأسعار مناسبة ضمن استعدادات المواطنين لاستقبال الشهر الكريم.

رحلة طويلة عاشها فانوس رمضان، أضافت فيها كل مرحلة لمستها الخاصة. ورغم محاولات تطويره والخروج عن طابعه التقليدي، فإنه ظل رمزًا للأصالة والتراث الذي لم يندثر، محتفظًا بأسرار مهنة توارثها الحرفيون منذ أكثر من ألف عام.