عبد الوارث عسر، فنان قدير من زمن الفن الجميل، عُرف بلقب "شيخ الممثلين"، وكان معلماً لأجيال كثيرة من الفنانين والفنانات الذين تتلمذوا على يديه. بدأ مشواره الفني متأخراً، إذ دخل عالم الفن في الأربعين من عمره، وجمع بين كتابة السيناريو والتمثيل والعمل الحكومي. ظل ممثلاً حتى تجاوز الخامسة والتسعين، ورحل في مثل هذا اليوم 22 أبريل عام 1982.
بصمات فنية متعددة
للفنان عبد الوارث عسر بصمات فنية متعددة في تاريخ الفن؛ فقد ساهم في إنشاء معهد السينما مع المخرج محمد كريم، ودرّس فيه فن الإلقاء، حتى تخرّج على يديه أجيال من الفنانين، من بينهم فاتن حمامة. كما حصل على جوائز في التأليف والسيناريو عن أفلام مثل: "جنون الحب"، و"شباب امرأة"، و"ارحم دموعي". وقدّم أدواراً ثانوية في أكثر من 200 فيلم، إلى جانب العديد من المسلسلات الإذاعية، ورفض التمثيل في التلفزيون، إذ كان يرى أنه ينتقص من نجومية الفنان في السينما.
إتقان اللغة العربية وتجويد القرآن
وُلد عبد الوارث عسر عام 1894، وكان والده محامياً ناجحاً. تعلّم تجويد القرآن في الكُتّاب منذ الصغر، ثم أتقن فن الإلقاء، وعلّمه لكثير من نجوم السينما المصرية. أثناء دراسته الثانوية بمدرسة التوفيقية، كان شغوفاً بمشاهدة العروض المسرحية. التحق بكلية الحقوق، لكنه لم يُكمل تعليمه بسبب وفاة والده. عشق اللغة العربية ودرسها دراسة حرة حتى أصبح من المتقنين لها، وله ديوان شعر معروف.
بداياته العملية
بدأ حياته العملية موظفاً في وزارة المالية، ثم اتجه إلى العمل بالسينما عام 1918 مع صديقه المخرج محمد كريم، مع احتفاظه بوظيفته الحكومية، التي خرج منها على معاش قدره 9 جنيهات، ما جعله يندم على السنوات التي قضاها فيها. وعندما علم الأديب يوسف السباعي، وكان وزيراً للثقافة، بقيمة هذا المعاش، قرر منحه معاشاً استثنائياً قدره 60 جنيهاً.
مواهب متعددة
تميّز عبد الوارث عسر بتعدد مواهبه، إذ أتقن كتابة السيناريو، وكانت انطلاقته مع فيلم "زينب" المأخوذ عن رواية محمد حسين هيكل، حيث أجرى تعديلات على القصة، حتى وصفه صاحبها بأنه الأنسب لكتابة السيناريو السينمائي. عمل بعد ذلك محرراً في جريدة "التعاون"، وكتب باباً بعنوان "عم سلامة"، وهو نفس اسم الشخصية التي قدّمها في فيلم "زينب"، واشتهر بها بين الجمهور. تعلّم التمثيل على يد الفنان عمر وصفي، الذي رشّحه لأداء أدوار الأب الطيب. ومن أبرز أدواره دور "حسبو" في فيلم "شباب امرأة"، وكذلك دوره في فيلم "صراع في الوادي"، حيث كان مشهد دخوله غرفة الإعدام من أصعب المشاهد في السينما المصرية.
بداياته المسرحية
كانت بدايته الفعلية في المسرح، إذ انضم في سن الرابعة والعشرين إلى فرقة جورج أبيض، ثم انتقل إلى فرقة عبد الرحمن رشدي، حيث تقاضى أول أجر في حياته (10 جنيهات). وبعدها عاد إلى فرقة جورج أبيض، وهناك تعرّف على سليمان نجيب ومحمد عبد القدوس، وكانوا جميعاً موظفين حكوميين، فقرروا تكوين فرقة مسرحية، شكّلت نواة "جمعية أنصار التمثيل". ومن خلال محمد عبد القدوس، تعرّف على محمد عبد الوهاب والمخرج محمد كريم، ومنذ ذلك الحين أصبح مشاركاً دائماً في أفلامهما، مثل: "رصاصة في القلب"، و"الوردة البيضاء"، و"ممنوع الحب". وكان محمد كريم لا يخرج فيلماً إلا وكان عبد الوارث عسر كاتباً لسيناريو العمل. سجّل عبد الوارث عسر القرآن بصوته، لكن الأزهر رفض اعتماد التسجيل لعدم تسجيله مقرئاً رسمياً بالإذاعة. كما شارك في كتابة أكثر من 70 سيناريو، لم يُنسب أيٌّ منها إليه بناءً على رغبته، واكتفى بالتمثيل فيها، ولم يتقاضَ عنها أجراً.
نمط حياته وسر طول عمره
عن عاداته اليومية، ذكرت ابنته لوتس أنه كان شديد النظام؛ يبدأ يومه مبكراً بصلاة الفجر، ثم قراءة القرآن حتى السادسة صباحاً. كان إفطاره بسيطاً: بيضة مسلوقة وكوب لبن مع قطعة خبز، وغداؤه خفيفاً، غالباً شوربة عدس مع قطعة لحم صغيرة، وعشاؤه كوب لبن بالعسل. كان ينام في التاسعة مساءً، ويهوى المشي لمسافات طويلة، ما حافظ على لياقته ونحافته. كما كوّن مكتبة كبيرة كانت ملاذه المفضل بعد التقاعد. رحل عبد الوارث عسر في 22 أبريل 1982، بعد أن ترك إرثاً فنياً كبيراً وتاريخاً حافلاً في السينما المصرية.



