71 عامًا على فيلم "عهد الهوى".. قصة صداقة فريد الأطرش وجمال عبد الناصر
تمر اليوم الذكرى الحادية والسبعون لفيلم "عهد الهوى"، الذي لا يذكر فقط كعمل فني بارز، بل أيضًا كقصة إنسانية جمعت بين عمالقة في مجالات مختلفة. فقد ارتبط فريد الأطرش والرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعلاقة وطيدة، لا تقل قوة عن تلك التي ربطت الموسيقار بأم كلثوم، مما يسلط الضوء على جانب نادر من تاريخ مصر الثقافي والسياسي.
مرض فريد الأطرش وطلب غير متوقع
في مطلع عام 1955، وبعد انتهائه من تصوير فيلمه السادس عشر "عهد الهوى"، تعرض فريد الأطرش لذبحة صدرية مفاجئة، حالت دون حضوره حفل افتتاح الفيلم المقرر في شهر فبراير. بينما كان طريح الفراش في المستشفى، خطرت على باله فكرة جريئة: دعوة الرئيس جمال عبد الناصر لحضور العرض الأول نيابة عنه. فكتب رسالة إلى عبد الناصر يقول فيها: "سيدي الرئيس، لقد عودت جمهوري أن أحضر في افتتاح أفلامي، وأطلب من سيادتك الحضور للنيابة عني وأن تحيي الجماهير نيابة عني"، ووقعها باسمه.
اعتبر فؤاد شقيق فريد الأطرش هذا الطلب جنونًا وطيشًا، وتوقع أن يؤدي إلى اعتقالهما وترحيلهما. لكن في لفتة إنسانية تدل على تقدير كبير للموسيقار، استجاب الرئيس عبد الناصر للطلب، وحضر العرض قائلاً لأسرة فريد: "خلوا بالكم دا قيمة كبيرة وشقيق لكل مصري"، مما يعكس عمق الاحترام المتبادل بينهما.
ليلة تاريخية في سينما ديانا
في التاسع من فبراير 1955، نشرت الصحف الصباحية أخبارًا كثيرة عن قصة الفيلم، حيث أعلنت مجلة الكواكب أن "السينما المصرية تبدأ عهدًا جديدًا مع عهد الهوى". حضر أبطال الفيلم، بما في ذلك يوسف وهبي ومريم فخر الدين وعبد السلام النابلسي وإيمان، لكن الحدث الأبرز كان وصول الرئيس عبد الناصر.
فجأة، حدث هرج ومرج في شارع عماد الدين، مع وصول سيارات مرسيدس سوداء رسمية وموتوسيكلات، توقفت أمام سينما ديانا. نزل الرئيس جمال عبد الناصر من سيارته، برفقة المشير عبد الحكيم عامر، مرتديين الملابس المدنية، وصافح الجماهير التي فوجئت بوجوده، ثم جلسا في المقصورة لمشاهدة الفيلم.
عندما علم فريد الأطرش بهذه الخطوة، استعظم قلب الرئيس الجميل، وزاد حبه له، فأرسل إليه برقية شكر وامتنان، مما عمق العلاقة بينهما. واستمرت هذه الصداقة الحميمة حتى بعد سنوات، حيث غنى فريد الأطرش لأجل عبد الناصر بعد رحيله أغنية مليئة بالدموع، قائلاً: "حبيبنا يا ناصر يا أعز الحبايب.. بطل وأنت حاضر بطل وأنت غايب".
تفاصيل فيلم "عهد الهوى" وإسهامات فريد الأطرش
يعد فيلم "عهد الهوى" من الأعمال البارزة في السينما المصرية، حيث أخذ عن القصة الشهيرة "غادة الكاميليا" لإسكندر دوماس الابن، والتي سبق تقديمها في فيلم "ليلى" عام 1942. قام ببطولة الفيلم فريد الأطرش ومريم فخر الدين، وقدم فريد فيه الوجه الجديد إيمان لأول مرة، بمشاركة يوسف وهبي في دور الأب، وميمي شكيب وسراج منير.
كتب السيناريو علي الزرقاني، وأخرجه أحمد بدرخان، من إنتاج شركة أفلام فريد الأطرش. غنى فريد الأطرش في الفيلم أربع أغنيات من تلحينه، هي:
- "أنا وأنت لوحدنا" من كلمات أنور عبد الله.
- "حبني قد ما تقدر" و"القلب قلبي" من كلمات مأمون الشناوي.
- "مين يعرف" من كلمات عبد العزيز سلام.
تدور قصة الفيلم حول شاب يدعى وحيد، يعود من أوروبا إلى بلدته، ثم ينتقل إلى القاهرة ليتسلم وظيفة، حيث يلتقي بالحسناء نادية ويعجب بها، دون أن يعلم حقيقة علاقتها برجل عجوز، لتتوالى الأحداث المثيرة.
إسهامات خيرية وتأثير دائم
بعد انتهاء عرض الفيلم، أظهر فريد الأطرش روحًا وطنية عالية، حيث أرسل شيكًا بإيراد الأسبوع الأول كمساهمة في تسليح الجيش، وفي أكتوبر من العام نفسه، أرسل شيكًا آخر بقيمة 300 جنيه لمساندة منكوبي السيول في قنا. هذه الخطوات تعكس التزام الفنان بقضايا مجتمعه، إلى جانب إبداعه الفني.
بمرور 71 عامًا، يظل فيلم "عهد الهوى" ليس فقط جزءًا من تراث السينما المصرية، بل أيضًا شاهدًا على صداقة نادرة بين فنان عظيم وقائد تاريخي، تذكرنا بقيم التضامن والإنسانية التي تتجاوز الحدود بين الفن والسياسة.