السيد شحتة يستعرض مجموعة "الرجل الذي سكن الشمس" لعبود مصطفى عبود
السيد شحتة يقرأ "الرجل الذي سكن الشمس"

في مقال جديد، يكتب السيد شحتة عن المجموعة القصصية "الرجل الذي سكن الشمس" للكاتب الدكتور عبود مصطفى عبود، الصادرة حديثاً عن دار الفاروق للاستثمارات الثقافية. المجموعة تعزف على أوتار حساسة في النفس والروح، وتتنقل بين شخوصها بلا حدود زمنية أو مكانية، من الشمس إلى القمر، ومن الضوء إلى الصوت، ومن أمواج البحر إلى حيرة الموتى وصراعات الأحياء.

دهشة العنوان والسرد

تبدأ الدهشة من العنوان اللافت الذي يثير شهية القارئ، ومن الصفحة الأولى يجد القارئ نفسه أسير فخ سردي محكم. اللغة تؤدي دورها بأفضل وجه، لا كلمة زائدة ولا لفظة بحاجة للاستبدال. كل طوبة في البناء السردي في مكانها الصحيح، لا إطالة مملة ولا اختصار يختزل المعنى. عناوين القصص تبدو كفاتح شهية، بدءاً من "قرار الشمس بالاختفاء" مروراً بـ"المرأة التي هجرت القمر" وانتهاءً بـ"جسر على النهر".

قدرة الكاتب على التوظيف الأدبي

يبرز النص قدرة عبود على توظيف أدواته باقتدار، فهو حكاء يغزل حروفه بخفة وإتقان. لكل قصة في المجموعة بريقها الخاص ونكهتها المميزة، مما يجعل من الصعب منح قصة أفضلية على أخرى، فجميعها تبدو كحبات عقد واحد. البعد البصري والمشهدي حاضر بقوة، في لحظات الذوبان في الشمس والابتعاد عن القمر وفي ثورة الموتى، وفي مشاهد أخرى لم تغفل تحديات الإبداع في ظل سطوة الذكاء الاصطناعي وهيمنة السوشيال ميديا.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

البعد الفلسفي والإنساني

المجموعة تحمل بعداً فلسفياً، يحاول الكاتب من خلاله إعادة اكتشاف الإنسان وصراعاته الداخلية في عصر تحكمه المادية. نرى فيها ظلالاً للإنسان المتمرد على محاولات مسخه، عبر إعادة اكتشاف الكون من حوله ورسم صور مغايرة للحقائق المستقرة، للانتصار للمشاعر والأحاسيس على القواعد المادية والمعادلات الحسابية. ما يميز المجموعة أيضاً أنها تعيد رسم حدود العلاقة بين الإنسان وعالمه، فلا يصبح هو البطل الأوحد، بل تتلاشى صورة "سوبرمان" البراقة التي كرستها الميديا الأمريكية لسنوات.

رسائل خفية

لا يتبنى الكاتب خطاباً وعظياً، لكنه يصر على استصلاح صحاري مقفرة أجدبت بفعل الحيرة والقلق والوهم. نجد حضوراً لمدن خليجية مثل الرياض والطائف ودبي، حيث يتواصل صراع المادي والمشاعري في بيئات شتى، في رحلة بحث لا تنتهي عن الحب القادر على علاج الجروح. تأخذنا المجموعة بعيداً إلى مساحة خاصة جداً لتأمل فلسفة الحياة والموت، ووحدات السعادة والشقاء، ومفهوم الحرية، وطبيعة السجون غير المرئية التي تكبل أرواحنا.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تساؤلات مفتوحة

المجموعة ليست للتسلية فقط، بل تستفز العقل البشري لفك شفرة الدلالة وفهم مرامي الحكاية. كثير من الحكايات تظل حمّالة أوجه، فعندما يبتلع البحر حبيبين في مرسى مطروح، هل يعني ذلك انتحاراً أم ميلاداً جديداً؟ هل هو ذهاب بلا رجعة أم استراحة قصيرة لالتقاط الأنفاس؟ تثير المجموعة تساؤلات في أكثر من نهاية مفتوحة، وتجيش في النفس مشاعر شتى يختلط فيها الضحك مع البكاء والغضب مع الرضا والدهشة مع الاقتناع.

رسالة أخيرة

المجموعة تنبهنا إلى حقيقة مهمة: هذا الكون الفسيح لا يضيق بنا، بل نحن من نضيق به عندما نراكم في عقولنا تلالاً من الأوهام. نخوض بسببها معارك شتى قبل أن نكتشف بعد فوات الأوان أننا أضعنا عمرنا نلهث خلف سراب. تأتي هذه المجموعة ضمن أعمال سردية قليلة تتماس مع المناخ وقضايا هذا الكوكب المأزوم بفعل نكبات البشر.