قرار قديم يهدد مستقبل طلاب الإعدادية في 2026
قرار قديم يهدد مستقبل طلاب الإعدادية

كلما ظن المصريون أن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني اقتربت خطوة من العصر والتطور، أعادتهم الوزارة إلى دهاليز الماضي. لا شيء يتغير تقريبًا سوى أرقام السنوات على الورق، أما العقل الإداري ذاته فما زال يعيش داخل أرشيف قديم، يتعامل مع الطلاب بمنطق اللوائح العقابية لا بمنطق بناء الإنسان.

استمرار العمل بقرار 313 لسنة 2011

نتحدث هنا عن القرار الوزاري رقم 313 لسنة 2011 الذي أعلنت المديريات التعليمية أنه مستمر في تحديد مصير طلاب الشهادة الإعدادية في 2026. خمسة عشر عامًا كاملة مرت على صدوره، تغير خلالها شكل العالم والتعليم والتكنولوجيا، بينما بقيت الوزارة تدور حول نفسها في الحلقة ذاتها؛ تعيد تدوير النصوص القديمة، كأن الزمن توقف عند لحظة متحجرة.

فلسفة عقابية في التعليم

المثير للدهشة ليس فقط استمرار العمل بالقرار، بل الفلسفة التي تحكمه. فالوزارة ما زالت ترى النجاح امتيازًا مشروطًا، والرسوب أداة ضبط، والامتحان محكمة نهائية لا مجرد وسيلة تقييم. لهذا ظهر شرط الـ30% في امتحان الفصل الدراسي الثاني، حتى لو كان الطالب ناجحًا في مجموع العام يجب أن يحصل في كل مادة في الترم الثاني على 30% وإلا تم اعتباره راسبًا فنيًا!

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

هكذا ببساطة، قد يجتاز الطالب عامًا دراسيًا كاملًا، ثم يسقط فجأة في كمين رقمي اسمه: الرسوب الفني. مصطلح قاسٍ وبارد، وكأن الوزارة لم تدرك بعد أن التعليم الحقيقي لا يُقاس بلحظة تعثر داخل ورقة امتحان، بل بقدرة الطالب على الفهم والتطور والتفكير.

التعليم بين الخوف والشغف

في الدول التي تحترم عقول أبنائها، تتحول المدرسة إلى مساحة لاكتشاف المواهب وصناعة الشخصية. أما عندنا، فما زالت المدرسة تُدار باعتبارها ساحة فرز ضخمة؛ ناجح وراسب. إن أخطر ما في هذه السياسات التعليمية أنها لا تنتج طالبًا متعلمًا وموهوبًا ومبدعًا ومتطورًا، بل طالبًا خائفًا مذعورًا فقط يمتحن لينجح ويحقق رقمًا في شهادة.

جيل كامل يذهب إلى الامتحانات محمّلًا بالخوف لا بالشغف، وبالقلق لا بالمعرفة. أسر كاملة تعيش موسم الامتحانات كأنها تدخل معركة نجاة، بينما تتعامل الوزارة مع المشهد بمنطق بيروقراطي مدهش.

فجوة بين التطوير والممارسة

المفارقة الساخرة أن العالم كله يتحرك الآن نحو التعليم المرن، والتقييم التراكمي، والذكاء الاصطناعي، والمهارات التطبيقية، بينما ما زلنا هنا نناقش شروط الرسوب الفني وكأننا في أوائل الألفية. الوزارة تتحدث كثيرًا عن التطوير، لكنها تمارس النقيض تمامًا. لا تطوير حقيقيًا يمكن أن يحدث بعقلية تعتبر الطالب رقم جلوس، والنجاح مجرد معادلة حسابية، والتعليم عملية ضبط وربط فقط.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إن فلسفة التعليم الحديثة تقوم على منح الفرص لا صناعة الحواجز. على احتواء التعثر لا تحويله إلى وصمة. على تقييم المهارات لا مطاردة الأخطاء الصغيرة داخل ورقة الامتحان. لكن يبدو أن الوزارة لا تزال أسيرة فكرة قديمة مفادها أن التشدد الإداري دليل على الهيبة، وأن كثرة الشروط تعني جودة التعليم. بينما الحقيقة أن التعليم الرديء وحده هو الذي يحتاج دائمًا إلى المزيد من الرفض القاطع للتخلص منه ومن تأثيراته السلبية على المجتمع والدولة.

الحاجة إلى تحرير التعليم

القضية هنا ليست مجرد قرار وزاري قديم، بل عقل وزارة ما زال يخشى تحديث أدواته التعليمية. ولهذا تتحول المدارس كل عام إلى مصانع توتر جماعي، ويتحول الطلاب إلى ضحايا نظام لا يعرف سوى الامتحان والدرجة والعقوبة. إن مصر لا تحتاج فقط إلى تطوير المناهج، بل إلى تحرير التعليم نفسه من قبضة البيروقراطية القديمة.. تحتاج إلى وزارة تنظر إلى الطالب باعتباره مشروع عقل، لا مشروع ملف. وزارة تؤمن أن بناء الإنسان أهم من حراسة اللوائح. أما استمرار إدارة مستقبل ملايين الطلاب بعقلية 2011، فهو ليس مجرد تأخر إداري، بل إعلان واضح بأن التعليم عندنا ما زال يعيش خارج الزمن.