الترندات لا تعكس المزاج الحقيقي للمصريين
بات المصريون ليلة الثلاثاء الماضية في حالة رضا رغم كل الأزمات والإحباطات المعيشية، بسبب هدف إمام عاشور في بلجيكا، ليحصل المنتخب على أول نقطة في مشوار كأس العالم. ورغم أن كل ترند يشغل بال المصريين لا يستغرق أكثر من ثلاثة أيام، إلا أن أحداث المونديال ستشغل مزاج المصريين لمدة شهر، حتى الانتهاء من هذا المولد الذي يشغل كل سكان المعمورة.
تأثير الترندات على الرأي العام
وحتى ترند المطربة والفنانة التشكيلية رغم إثارته لم يصمد طويلاً أمام حضن حسام حسن لحكم المباراة. وحاول بعض الترنديين اختراع حدث كمستشفي الشاطبي واعترافات الطبيبة بما يجري في قسم النساء، ولكنهم فشلوا في الاستمرار، رغم أن القصة تحمل كل عناصر نجاح الترند، ولكنه مزاج المصريين الذي لا يخضع لأي مقاييس، حتى لو كان هناك اتفاق أمريكي إيراني لإنهاء الحرب.
الاعتماد على الترندات كمؤشر وحيد اختزال مخل
لذلك فإن الاعتماد على الترندات كمؤشر وحيد أو رئيسي لقياس المزاج العام المصري اختزال مخل بالواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع. فعلى سبيل المثال، نجد أن بعض القضايا التافهة أو الفن الهابط يتصدر المشهد الرقمي لساعات أو أيام، في حين تغيب قضايا جوهرية تمس الأمن القومي أو التنمية الاقتصادية، ما يؤدي إلى استنتاجات مغلوطة حول اهتمامات المواطن المصري.
وكأن المجتمع بات مسطحًا لا يهتم إلا بالمحتوى الترفيهي أو الشائعات، وتتعاظم الخطورة حين يتم اعتماد هذا الرأي الرقمي (أو المزاج الافتراضي) كمرآة تعكس المزاج الشعبي الحقيقي. وقد وقعت بعض الجهات الإعلامية الدولية، وحتى مؤسسات بحثية، في هذا الفخ التحليلي، لتخرج بتقارير تدعي تراجع الانتماء الوطني أو تزايد الغضب الشعبي، بناءً على ترندات تم توجيهها أو تضخيمها خارجيًا.
الواقع المرير في الشارع المصري
ولكن هذا لا يعني أن الأوضاع مثالية، لأن ما يحدث في الشارع المصري مؤلم جدًا: فوضى عارمة، سباق بين ميكروباص مجهول وتوك توك قذر، وموتوسيكل صيني للكبار والصغار، وباعة جائلين وعصابات التسول والسايس المبرشم في كل مكان، واختفاء الشرطة والبلدية.
قبل السوشيال ميديا كنا نأكل بارتياح، ونشرب بمزاج ونتنفس باطمئنان، ونتحدث باستمتاع، ونسهر بشغف، ونتسامر بفضول، وننام باسترخاء شديد، دون أرق من أي نوع، ونستقبل الصباح كأنه عيد. لم نكن أغنياء لكن كنا سعداء حتى جاء علينا حين من الدهر صرنا أسرى للترند، وأصبح الترند ملكًا لمجموعة معينة وفئة قليلة من الناس، تمتلك عددًا كبيرًا من المتابعين لهم، هؤلاء هم الذين يتحكمون في المزاج العام لرواد المواقع.
تصديق الحكاء أكثر من الصادق
وللأسف الناس تصدق من يعرف يحكي الحكاية وليس من يقول الحقيقة، أي إنهم يصدقون الحكاء أكثر من الصادق. وتدرس مؤسسات الدول المختلفة المؤثرات على الجماهير، خاصة من جانب الناشطين الذين يوكل إليهم تحريك الجماهير مقابل المال بعد نجاحهم، واستخدموا أحدث علوم الاجتماع والإعلام وعلم النفس والاتصالات، وذلك لخلق مناخات من عدم الثقة بين الشارع والسلطة فتصاب المناعة الفكرية والوطنية بمرض نقص المناعة.
التعميم المقصود لنماذج النجاح المادي
لا يكاد يمر يوم إلا وهناك حدث يشغل الرأي العام الذي يتابع القضايا المثارة (التافهة)، وهناك تعميم مقصود لنماذج النجاح المادي الكبير لأشخاص لم يحظوا بفرصة تعليم كافية مثل (محمد رمضان، حمو بيكا، ومشاهير اليوتيوب). هذه نماذج استثنائية لكن الأصل والقاعدة التي كانت ومازالت وستظل هي أن التعليم الجيد والتفوق الأكاديمي والجد والاجتهاد والمثابرة هي التي تصنع الشخص الناجح.
حديث غير بريء عن الديون
وهناك حديث ليس بريئًا عن الديون، ومن المعروف في لغة الاقتصاد المجردة من الأهواء الشخصية والخالية من المآرب السياسية أن اقتصاد الدول لا يقاس بحجم الديون وإنما يقاس بحجم الموارد والدخول. ولذلك لا تعبر الديون بصفة عامة عن مدى قوة أو ضعف الوضع الاقتصادي دون معرفة حجم إيراداتها وإجمالي دخولها، ومدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وفوق هذا كله وقبله وبعده ضرورة معرفة مدى استتباب وضعها الأمني، ومدى تماسكها الداخلي ومدى استقرارها السياسي.
إذن الديون لا تصلح معيارًا لتقييم اقتصاد الدول، كما يروج البعض ويقال: «إذا كنتَ لا تدفع مقابل منتجِ ما، فذلك على الأرجح لأنك أنت هو المنتج». هذه الجملة أصبحت مهمة لفهم طبيعة العلاقات الاقتصادية التي ولّدتها وسائط الإعلام الجديد، حيث تقوم هذه المواقع والتطبيقات «ببيعنا» إلى المعلنين.
فيسبوك وإنستجرام منصتان إعلانيتان
فيسبوك وإنستجرام على سبيل المثال، هما ببساطة منصّتان إعلانيتان تنتزعان الأموال من انتباه المستخدمين ووقتهم. ويمثّل الترند، في هذا السياق، وقود الانتباه. وهو العجلة التي تبقيك شاخصًا لأطول وقت ممكن إلى الصفحة الرئيسية ومنجذبًا إليها.
وهذا ما يفسّر على الأرجح ظهور إعلانات لمنتجات فكّرنا فقط في شرائها حتى قبل البحث عنها على الإنترنت. هذا الواقع يؤكد أننا نعيش في نظام استغلال، نحن الضحية فيه. لذا فنحن دوما في موقع المفعول به لا الفاعل، والمتلقي لا المانح.
الحروب غير الشريفة على المزاج العام
والأمر هكذا ليس من مصلحة أحد خلق حالة من الاستياء العام، تستاء من كل شيء، وتشك في كل شيء، وتشكك في كل شيء، وتشكو من كل شيء، وتسخط على كل شيء، وتفقد الثقة في كل شيء وذلك بالضبط هو اللعب في المزاج العام، وهو من الحروب غير الشريفة الخطيرة لأننا نحارب أعداء مجهولين ولكنهم منظمون وهم كالأشباح.
المصريون أفضل بكثير من الصورة المرسومة
المصريون، على وجه العموم، أفضل بكثير من الصورة التي يتبادلون رسمها بعضهم لبعض، والنظام ليس بالسوء الذي يتصوره معارضوه، والمعارضون ليسوا بالسوء الذي يتصوره النظام. طبعًا فيه ناس بالغة السوء في كل الأماكن، لكن يظل التيار العام للمصريين أو الـ Main Stream بخير، مهما تكن توجهاتهم وأفكارهم ومواقفهم. ولكن ما يتم تعميمه بصور المزاج العام متطرفًا والنفسية محتقنة احتقان طارئ وبيننا وبين التعافي ونقطة التوازن مسافة طويلة، الاستقطاب الحاد يبدو ضرورة من ضرورات الصراع السياسي الممتد منذ ما قبل 25 يناير حتى اليوم.
باختصار شديد: التشويه المتبادل، عن قصد أو عن غير قصد، تكنيك يلجأ إليه الجميع، وذلك بسبب غيبة آليات للحوار، والمصارحة، وطرح القضايا الخلافية على الملأ، دون تستر، ولا مواربة.



