يستعيد الوسط الثقافي اليوم ذكرى رحيل الكاتبة والأديبة المصرية فتحية العسال، التي تعد واحدة من أبرز الأصوات الأدبية والنسوية في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. تركت العسال بصمة لا تُمحى في المسرح والدراما التلفزيونية، حيث ناقشت قضايا المرأة والعدالة الاجتماعية بجرأة ووعي عميقين.
النشأة والبدايات
ولدت فتحية العسال في 26 ديسمبر 1933 بالقاهرة، ونشأت في بيئة محافظة حالت دون إكمالها تعليمها النظامي في سن مبكرة. لكنها لم تستسلم للظروف، بل اعتمدت على التثقيف الذاتي، فعلمت نفسها القراءة والكتابة، وبدأت رحلة طويلة مع المعرفة والإبداع. تركت تجارب طفولتها أثراً عميقاً في شخصيتها الفكرية، وهو ما انعكس في أعمالها التي انحازت لقضايا المرأة وحقها في الحرية والتعليم.
الحياة الشخصية والتأثير
تزوجت فتحية العسال في سن مبكرة من الكاتب والصحفي عبدالله الطوخي، الذي كان له دور محوري في حياتها. ساعدها المناخ الثقافي المحيط به على توسيع مداركها وتعزيز علاقتها بالقراءة والكتابة. ورغم انفصالهما، استمرت العلاقة الإنسانية والفكرية بينهما، وأنجبت منه الفنانة صفاء الطوخي.
المسيرة الأدبية والمسرحية
بدأت العسال الكتابة الأدبية عام 1957، واتجهت فوراً إلى تناول القضايا الاجتماعية والإنسانية، وفي مقدمتها قضايا المرأة. تميزت كتاباتها بالاقتراب من الواقع المصري ورصد معاناة النساء في مواجهة القيود والتمييز. دخلت عالم المسرح بقوة من خلال مسرحية "المرجيحة" عام 1969، التي كانت محطة مهمة في مسيرتها. توالت بعدها أعمال مسرحية بارزة مثل:
- "الباسبور" (1972)
- "البين بين"
- "ليلة الحنة"
- "من غير كلام" (في الثمانينيات)
- "نساء بلا أقنعة" (1999)
- "سجن النساء" (1993، تحول إلى مسلسل شهير عام 2014)
تعد العسال من أبرز الكاتبات اللواتي رسخن حضور المرأة في الكتابة المسرحية المصرية، حيث اتسمت أعمالها بطرح قضايا اجتماعية شائكة بلغة مباشرة وقريبة من الجمهور.
الإبداع الدرامي
لم يقتصر إبداع العسال على المسرح، بل امتد إلى الدراما التلفزيونية، حيث كتبت عشرات الأعمال الناجحة، منها:
- "هي والمستحيل" (1979)
- "حتى لا يختنق الحب" (1983)
- "حارة السكري" (1987)
- "شمس منتصف الليل" (2002)
- "رمانة الميزان" (2008)
المذكرات والتكريمات
وثقت العسال تجربتها في مذكراتها "حضن العمر" التي صدرت في جزأين، وقدمت شهادة صادقة على مراحل حياتها. حظيت بتكريمات عديدة، منها جائزة أفضل مسلسل مصري عام 1975 عن "لحظة صدق"، وجائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2004، وتكريم في مهرجان المخرجة المسرحية عام 2009، وتكريم من المركز الوطني للعيون في صيدا اللبنانية. شغلت مناصب ثقافية بارزة كعضوية مجلس إدارة اتحاد الكتاب ورئاسة جمعية الكاتبات المصريات.
الرحيل والإرث
في 15 يونيو 2014، رحلت فتحية العسال عن عمر ناهز 80 عاماً في مستشفى المعادي العسكري بالقاهرة بعد أزمة صحية. لم تكن مجرد كاتبة، بل مثّلت نموذجاً للمثقفة المنحازة لقضايا مجتمعها والمدافعة عن حقوق المرأة. يبقى صوتها حاضراً في صفحات كتبها وأعمالها الدرامية، تروي حكايات المهمشين وتعبر عن أحلام النساء في مجتمع أكثر عدلاً.



