تتزامن ذكرى ثورة 30 يونيو هذا العام مع تحولات عاصفة وحروب ممتدة تشهدها المنطقة، وميليشيات مسلحة تجور على مفهوم الدولة الوطنية، وصراعات إقليمية تُعيد رسم الخرائط بالدم. في هذا السياق، يبدو تذكر اللحظة الفارقة من تاريخ مصر عام 2013 ليس مجرد احتفاء بذكرى سياسية، بل قراءة متجددة في القرار الذي اتخذه الشعب المصري بوعيه الفطري، رافضاً الانزلاق نحو سيناريوهات التفتت والحروب الأهلية.
فشل الإخوان في إدارة الدولة
أكد الكاتب والمفكر حلمي النمنم، وزير الثقافة الأسبق، أن حكم جماعة الإخوان كان محكوماً عليه بالفشل، مشيراً إلى أنه قال قبل تولي محمد مرسي: "أمامهم اختيار من اثنين: إما أن يتمصروا، أو أن ينقرضوا". وأوضح أن الجماعة جاءت إلى الحكم بانتخابات مزيفة، حيث حدث تزوير في أوراق المطابع الأميرية ولم يتم التحقيق فيه، كما ثبت أن مناطق في الصعيد شهدت منع الأقباط من الإدلاء بأصواتهم، وهو ما يبطل الانتخابات وفقاً لتقرير مركز كارتر الذي رصد عمليات التزوير.
وأضاف النمنم أن قرار مرسي بأداء اليمين في ميدان التحرير وليس أمام أي مؤسسة قانونية أو دستورية يؤكد عدم اعترافه بالمؤسسات، مشيراً إلى أن الجماعة بدأت عملية "الأخونة" في مفاصل الدولة، مما أدى إلى فشلها الذريع.
30 يونيو: ثورة للحفاظ على الهوية
وصف النمنم ثورة 30 يونيو بأنها تختلف عن غيرها من الثورات، لأنها لم تكن ذات طابع مطلبي أو فئوي، بل كان مطلبها الوحيد الحفاظ على هوية وطنية الدولة. وقال: "شعار 30 يونيو كان: يسقط يسقط حكم المرشد". وأكد أن خروج المصريين في هذا اليوم كان طوق نجاة للوطن، وأن خلع الإخوان جنب مصر الحرب الأهلية التي اندلعت في دول مجاورة مثل السودان وليبيا.
وأشار النمنم إلى أن الموقف المصري في 30 يونيو كان ضد وجود ميليشيات مسلحة وضد وجود جماعات مسلحة، متوافقاً مع تعبير الرئيس السيسي في خطاب التنصيب الأول في 8 يونيو 2014: "لن نسمح بوجود قيادة موازية.. الدولة لها قيادة واحدة".
المظلومية الإخوانية واستغلالها
أوضح النمنم أن جماعة الإخوان تستخدم عقلية المظلومية لإخفاء جرائمها، متحدثين عن محنتهم في 1948 وحل الجماعة للتنصل من اغتيال النقراشي باشا. وأكد أن اغتيال النقراشي باشا - الذي كان حاكماً عسكرياً لمصر والجيش المصري يحارب في فلسطين - يعد خيانة وطنية مباشرة. وأضاف: "بناء المظلومية يعود إلى الفكرة الكربلائية، أي الإسلام الشيعي وليس السني".
وتابع أن حجج المظلومية تساقطت، خاصة بعد حرب غزة حيث رأى العالم الصراعات على مئات الملايين من الدولارات التي جمعها الإخوان في إسطنبول باسم غزة، ولم يصل منها شيء إلى أهالي غزة، مما جعل حماس نفسها تشتكي من نهب الأموال.
اعتصام المثقفين ودورهم
أشاد النمنم بدور المثقفين المصريين في مواجهة الإخوان، مشيراً إلى اعتصام المثقفين الشهير في الزمالك عام 2013. وقال: "منذ وصول الإخوان إلى الحكم، تبنى المثقفون موقفاً واضحاً، حيث تم تدشين عدة مجموعات ثقافية بقيادة سلوى بكر". وأكد أن الاعتصام كان ذروة المواجهة وليس البداية، وأن المثقفين المصريين نشطوا بطريقة تدعو إلى الإعجاب والاحترام.
وأضاف أن الفضل في نجاح اعتصام المثقفين يعود إلى غباء جماعة الإخوان، خاصة في اختيار علاء عبدالعزيز الفاشل وزيراً للثقافة، مما كشف فقرهم المعرفي وفشلهم في فهم الدولة.
استمرار أفكار سيد قطب والخلايا النائمة
أكد النمنم أن أفكار سيد قطب وحسن البنا لم تنتهِ، مشيراً إلى أن أفكار سيد قطب قائمة على المظلومية والخلايا النائمة التي كان يسميها "الطليعة المؤمنة". وأوضح أن الجماعة موجودة لأن هناك طلباً دولياً عليها، حيث تحتاجها أجهزة المخابرات الدولية لخلق الخلافات بين الدول.
واستشهد النمنم بحادثة وقفة احتجاجية نظمها الإخوان في إسرائيل أمام السفارة المصرية في تل أبيب خلال حرب غزة، رفعوا فيها شعارات تخدم المصلحة الإسرائيلية، قائلين إن مصر هي المشكلة وليس نتنياهو. وأكد أن الجماعة جزء من إسرائيل منذ اغتيال النقراشي باشا.
تجديد الخطاب الثقافي وليس الديني فقط
دعا النمنم إلى تجديد الخطاب الثقافي إلى جانب الخطاب الديني، قائلاً: "نحن بحاجة إلى تجديد حياتنا بكاملها، فهناك ظروف عالمية تُحتم استمرارية التجديد الشامل". وأشار إلى أن وزارة الثقافة عملت خلال فترة توليه على استعادة هيبة المؤسسات الثقافية ورفع شعار "العدالة الثقافية"، حيث توسعت في الأنشطة والفعاليات الثقافية، وارتفع عدد معارض الكتاب من معرض واحد في القاهرة إلى أكثر من 100 معرض سنوياً في جميع المحافظات.
وأكد النمنم أن الشارع المصري لفظ الجماعة في 30 يونيو و3 يوليو 2013، وأن الوعي الشعبي في أوقات كثيرة يسبق النخبة، مشدداً على ضرورة استكمال بناء الدولة الوطنية المدنية والحفاظ على الهوية الوطنية المصرية في مواجهة التحديات الكبيرة والخطيرة التي تواجه المنطقة.



