علي جمعة: رمضان مضى لكنه ترك أثرًا عميقًا في نفوس المؤمنين
علي جمعة: رمضان مضى لكنه ترك أثرًا عميقًا في النفوس

علي جمعة: رمضان مضى لكنه ترك أثرًا عميقًا في نفوس المؤمنين

أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن شهر رمضان المبارك قد مضى، لكنه لم يمضِ بلا أثر عميق في قلوب المؤمنين. وأشار في منشور عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إلى أن الله تعالى أكرم المسلمين في هذا الشهر بدروس لا ينبغي أن تُنسى، وربّى فيهم معاني لا يجوز أن تنطفئ بانقضاء أيامه.

دروس رمضان في ضبط النفس والتقرب إلى الله

قال جمعة: "في رمضان تعلمنا كيف نسير إلى الله، وكيف نرجع إليه، وكيف نبني في أنفسنا تلك النفسية المؤمنة المجاهدة التي لا تضعف أمام الشهوة، ولا تنهزم أمام الدنيا، ولا تنقطع عن ربها بانتهاء موسم من مواسم الطاعة". وأضاف أن المسلمين تعلموا في هذا الشهر ضبط النفس، وهي أول خصال المجاهدين، كما تعلموا التقليل من الشهوات والتخفف من الدنيا، وعدم الاسترسال مع رغبات الجسد.

وأوضح أن النفس التي لا تحسن السيطرة على رغباتها لا تستطيع أن تحمل أعباء السير إلى الله، ولا أن تثبت عند الشدائد. وتابع قائلاً: "لذلك جاء بناء النبي ﷺ للمؤمن بناءً عجيبًا دقيقًا، حيث قال: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلًا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

منهج التربية وصناعة النفسية القوية

وأكد جمعة أن هذه ليست مجرد وصية في الطعام، بل منهج في التربية، وصناعة لنفسية المؤمن القوي الذي لا يستعبده الأكل، ولا تسترقه الشهوة، ولا تتملكه الدنيا. وهي نفسية تكتفي بالقليل، وتترفع عن الحرام، وتمتنع عما يورث النار، وتقدر على الصبر إذا اقتضى الأمر الحرمان أو المجاهدة.

ولفت إلى أن الصحابة فهموا هذا المعنى حق الفهم، حيث قال سيدنا عمر رضي الله عنه: «اخشوشنوا، فإن النعمة لا تدوم». وأوضح أن الخشونة هنا ليست دعوة إلى الفوضى، بل هي تربية على عدم الترف وعدم الاستسلام للدعة والرخاوة؛ لأن الترف إذا تمكن من النفس أفسدها، وأورثها التعلق بالدنيا، وأضعف فيها معاني العزة والاحتمال والبذل.

رمضان مدرسة كبرى وبداية طريق

وشدد على أن المسلم الحق لا يحمل هذه النفسية من أجل دنيا، ولا من أجل عدوان، ولا من أجل سفك دماء أو اغتصاب حقوق، بل يحملها لتكون كلمة الله هي العليا، ولتبقى نفسه حرة من أسر الشهوة والخوف. وأضاف: "إنه إنسان لا تستعبده الدنيا؛ لأنه عرف أن قيمته ليست فيما يملك، بل فيما يعبد، وأن رفعة رأسه بين الخلق إنما جاءت من كثرة سجوده للله".

وأشار إلى أن رمضان مدرسة كبرى، لكنه ليس غاية في ذاته، بل هو بداية طريق. فهو شهر كريم يحتاج من المسلمين أن يقرأوه جيدًا، ويتعلموا من نفحاته ومنحه، ويقفوا عند كل ما ربانا عليه من الذكر والاستغفار والتلاوة والقيام والصيام، حتى يخرجوا منه وقد تشكلت في داخلهم شخصية جديدة: شخصية نبيلة وقوية وزاهدة وعابدة وثابتة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الواجب بعد رمضان واستمرار الطاعة

وحذر جمعة من خطر الوهن الذي يفسد القلوب، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «أنتم كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل...»، وعندما سئل عن الوهن قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». وأكد أن مكمن الداء هو أن تدخل الدنيا القلب، فتملأه خوفًا، وتضعف فيه معاني اليقين، وتجعله متعلقًا بسراب زائل لا حقيقة له.

ولذلك، شدد على أن الواجب بعد رمضان هو ألا يترك المسلمون ما ألفوه فيه من طاعة، وألا يقطعوا ما بدأوه فيه من صلة بالله. فقال: "من ذاق حلاوة الذكر، فليثبت عليه. ومن أنِس بالقرآن، فليداوم على ورده، ومن عرف القيام، فلا يهجره، ومن ألف الصيام، فليواصل الخير، وقد فتح الله له بابًا عظيمًا في صيام الست من شوال؛ تحقيقًا لمعنى الدوام الذي يحبه الله، إذ قال رسول الله ﷺ: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر»".

رسالة رمضان: برنامج حياة لا ذكرى عابرة

وختم جمعة بأن الرسالة التي ينبغي أن تبقى بعد رمضان هي جعل معانيه برنامج حياة، لا ذكرى عابرة. وأكد على ضرورة أن تبقى الدنيا في أيدي المؤمنين لا في قلوبهم، وأن يكتفوا منها بما يقيم ظهورهم، لا بما يفسد أرواحهم. ودعا إلى أن يحيا المسلمون لله، ويسيروا إلى الله، ويجاهدوا أنفسهم في سبيل الله، حتى يكون رمضان بداية تحول صادق، لا موسمًا ينقضي ثم يعودون بعده كما كانوا.